جلال الدين الرومي

575

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

والذي ما كان الحديث حتى يتحمله إذا لم يكن قد صنع من تلك الخرقة التي تشبعت بالنور من وجد موسى عليه السّلام وعشقه للخالق سبحانه وتعالى ، لقد ائتلفت هذه الخرقة بالنور مثلما يتحمل المحترق النار ، لم يكن نورا عادياً ، كان نور الرشاد ، كان ذلك النور الذي حرم " صافورا " ابنة شعيب وزوج موسى عليه السّلام من تلك العين الناظرة إلى الدنيا وفتحت منها عين الباطن فلما رأت اللذة المتأتية من مشاهدة الباطن ، ضحت بعينها الصورية الأخرى ، وتمنت لو كان لها ألف عين لضحت بها من أجل مشاهدة هذا الجمال ، لقد حصلت على الكنز وبعد الحصول عليه في الخرابات أيمكن أن يذكر أحد رواقه ومنزله ؟ ! إن ذلك النور الباطني الباطن بمثابة الكنز ، والعين الجسدية بمثابة الخرابة فهل يأسف أحد على ضياع العين الجسدية إذا ظفر بهذا النور ؟ ! وقال الشاعر : ما لي سوى روحي وباذل روحه * في حب من يهواه ليس بمسرف . ( انقروى 6 - 2 / 205 ) ( 3100 - 3114 ) : ونور الحق في صورة يوسف عليه السّلام ، كان ساطعا بحيث كان ينعكس على نوافذ الدور والقصور عندما يمر في الطرقات فكان الناس يعلمون انه يمر ، كانوا يعرفون نور الحق من مروره ، وكان هذا النور ينعكس حتى على الجدران ، فاطلب هذا النور وافتح كوة قلبك تجاه نور وليك ومرشدك ، وابدأ في المشاهدة ، فإن هذا المشاهدة هي العشق الحقيقي ، وبه يحل النور في الصدر ، وفي يدك أن تنظر إلى الوجوه المحبوبة ، وجوه رجال الحق ، وذلك إذا ركزت تفكيرك في أولئك الرجال ، وصحبتهم كمياء تحول المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة ، والقشور إلى لباب ، ويتحول الأعداء إلى أصدقاء ، فكن جميلا ترى الوجود جميلا ، وظلال الرجال هي التي تنمى بساتين الأرواح ، وأنفاسهم تحيى قتلى الغم ، أليس هو سبحانه وتعالى الذي أعطى يوسف عليه السّلام ملكة تعبير الرؤيا فوق جماله ، لقد جره الحسن إلى السجن ، بينما رفعه العلم إلى أعلى عليين ( التعبير مأخوذ من حديقة سنائي ) .