جلال الدين الرومي

562

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

يتصفون بصفات رجال الطريق ، فقد كان هبوطى إلى هذه الدنيا حقيقة ومجازاً من تلك الشهوة التي سيطرت على أمي ، فأمى الأولى من شهوتها إلى الشجرة المحرمة أنزلت أبى من موطنه وموطني ، وأمي الثانية من شهوتها حبستني في سجن الرحم ثم ألقت بي في سجن الدنيا ، استمع إلى نواح يوسف الروح عليه السّلام في سجن البدن هذا ، أو فارحم يعقوب المشيخة الذي ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ، أأشكو يا إلهي من إخوان السوء في هذا الزمان ، أو أشكو من كيد النسوة اللائي القين بي بعيداً عن حنان وصلك ، فأصبحت ذابلا عبدا رقيقا أسيرا للقوت ولمتطلبات الدنيا ، ثم تبت على آدم واجتبيته ، ولحقني شئ من التوبة التي تبتها عليه . في الانقروى " من لم ينفع لحظه لم ينفع لفظه " ( 206 / 145 ) . فكانت بمثابة البخور من عين السوء ، لكن مشيئتك أنت هي التي تمنع الأذى ، حتى وإن كان ثم بخور ولم تكن مشئيتك ، لأصبح ذلك البخور أذى وليس دواء ، فإن عنايتك أيها الإله هي العلاج من عين السوء ، بها إنها تبذل السيئات إلى حسنات ، وتجعل من عين السوء عينا للحسن ، إنها الكيمياء التي تبدل هذا المعدن الخسيس ، الجسد الإنسانى ، إلى معدن نفيس للروح باحث عنك ، طالب لك منصرف عن كل هذه الدنيا ومغرياتها ( انظر الأبيات 592 - 594 من الكتاب الرابع ) ( 2817 - 2824 ) : تريد أن تفهم هذا التبديل انظر إلى عين المليك تقع على قلب السالك ، فتصبح عين هذا القلب في منتهى علو الهمة ، يصبح باحثا عن الحق ، فلا يقنع بهذه العلوم الأرضية ، لا يكون الصيد همه حتى صيد الأسود ، يصبح العاشق والمعشوق والصيد والصياد ، لا يهمه أن يصيد أو يصاد ( انظر الأبيات 1053 - 1055 من الكتاب الرابع وشروحها ) إن كل شئ ما خلا الله بالنسبة له باطل وآفل ، وهو كإبراهيم الخليل عليه السّلام ، لا يحب الآفلين ، ولا يطلب سوى الله ، وعندما ينظر إليه الله سبحانه وتعالى بعين الرعاية ، يمنحه الرؤية الباطنية التي لا حدود لها ولإدراكها ، فتسيطر على كل حواسه ، فينظر بالله ويسمع به ويسعى به ، هذا الحس الباطني هو ملك الحواس وهو لا يفتر ولا تحيق به الشيخوخة ولا