جلال الدين الرومي
532
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وهذا هو الصفاء الذي لا حدود له ، لكنه في الوقت نفسه جعل له ضد من إبليس وظلمه وكدره وعصيانه ، يقف له كل مرصد ويجرى فيه مجرى الدم ، ولذلك حتى قوم الصراع المستمر الذي يظهر فيه جوهر الإنسان ، وتنجلى فيه قدراته ، وهكذا تستمر الأضداد في كل دورة من دورات الخق ، هابيل وقابيل ، إبراهيم عليه السّلام والنمرود ، ثم موسى عليه السّلام وفرعون ، ثم محمد المصطفى صلى اللَّه عليه وسلم وأبى جهل ، ولكي يفصل الله تعالى في هذه الحروب ، كان لا بد وأن ينصر أنبياءه بوسائل غير دنيوية وغير صورية ( فالله يتجلى في مقابل جفاء الكفار وغلظتهم وعدتهم وعتادهم ) فسلب من النار صفة الإحراق فلم تحرق إبراهيم عليه السّلام ، وجعل الصيحة نكرا على قوم ثمود ، وأرسل الصرصر على قوم عاد ، والأرض المستوية التي تحفظ ما عليها ساخت بقارون ، إنها كلها تجليات لغضب الله ، وميدانها الإنسان وهذه الحرب المستمرة بين الخير والشر ، هي نفس الفكرة التي أقام عليها الفليسوف المعاصر على شريعتي فلسفة التاريخ عنده على أساس أنه صراع بين التوحيد والشرك أو بين الأنبياء الرعاة والفراعين والملأ والمترفين ، انظر ( إسلام شناسى 1 / 41 ) . ويقول مولانا جلال الدين أن الولاية بعد النبوة إذن ففي كل دورة ولى قائم ( الكتاب الثاني ، البيت 818 ) ( 2177 - 2186 ) : ولا يكون تجلى الحق في هذه الحروب المصيرية فحسب ، بل انظر إلى قهره عندما يحل بسائر البشر ، فيحول الدواء إلى داء ، وما يمد الجسد بالحياة إلى سبب للموت ، فيغص الحلق باللقمة ، ويختنق آكلها ، وتصبح الملابس التي تقى الحر والبرد والبأس ثقلا على الجسد فتيجرد منها لابسها ، وماذا تجديك هذه الأمثال وأنت لم تنضج بعد ( لم تصل إلى مستوى جرتى ماء لا تنجس إذا غسل فيها شئ نجس كما يقول الفقهاء ، بل أنت جرة واحدة ) ، ولو كنت ممن يعتبرون ويتعظون لاعتبرت بعذاب يوم الظلمة الذي حاق بقوم شعيب ( انظر 189 من سورة الشعراء ) حيث سطعت عليهم شمس حامية سبعة