جلال الدين الرومي

512

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

على العبد أو البعد عن الله ؟ ! هل مكافحة الهوى على مرارتها وقسوتها أقل مرارة من البعد عن الحق أو أكثر مرارة ؟ ! هل الصيام والجهاد على قسوتهما أقسى أو أن يمتحن المرء بالبعد عن ربه ؟ ! من دعاء كميل المشهور عن أمير المؤمنين " فهبين يا إلهي وسيدي ومولاي وربى صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك " ( عن جعفري 3 / 592 ) . يكفيك أن تسمع مواساته أثناء المك ، وأنت تسأل : كيف اسمع مواساته ؟ ! ألست تدعو ربك أثناء البلاء وأثناء المحنة ؟ اعلم أن نفسك دعوتك هذه هي إجابته جل شأنه بلبيك ، فالدعاء عين الاستجابة ، وإذا كان البلاء يجعلك قريبا من الله تناديه فيستجيب لك فكيف تفر من هذا البلاء ؟ ! وإذا لم يكن لديك ذوق التلقي ، ألست تحس في حالات المرض والبلاء بأنك قريب من الله ؟ ! تكفيك اذن هذه اللذة ويكفيك هذا القرب ، وعلى هذا النسق العلاقة بين أولئك الحسان ( المرشدين والأولياء ) ومرضى القلوب ( السالكين في طريق الحق ومرضى النفوس ) وهم وإن لم يفصحوا إلا أن إشاراتهم ( رسائلهم ) تغنى ، ففي الإشارة غنى عن العبارة ، وإلا فإن من القلب إلى القلب كوة ، ولا يوجد عاشق يفكر في معشوقه دون أن يفكر معشوقه فيه ، ( انظر الترجمة العربية للكتاب الثالث ، الأبيات 4396 - 4415 وشروحها ) وإذا كنت مغرما بالقصص والحكايات فاقرأ حكايات العشاق ، ففيها الكفاية ، فقط يجب أن تكون ناضجاً بقدر الكفاية ، ولست مغلياً نصف غلية على طريقة الترك في النضاج اللحم ( انظر 3751 من الكتاب الثالث ) ، لكنك أيها السالك الذي لا يدرك عمق هذه المعاني ولا تصادف منك قلباً مفتوحاً قد عشت عمرك وتعلمت ما تعلمت ، لكنك كلما تعلمت ازددت فجاجة على فجاجتك ، فعلمك الذي تتعلمه ليس من أجل الحق بل من أجل الخلق ، ذلك أنك سرت في طريق غير طريقه ، فكل من صار تلميذاً للحق صار أستاذاً ، أما الذي يسير في طريق آخر فيتجمد بل يسير القهقرى لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وهناك من أضله الله على علم فمثله " كالكلب " ولا يصل حتى إلى مستوى البشر ، فلا أنت اتعظت بمهلك والديك ، ولا أنت اعتبرت بما جرى لك من أحداث في حياتك .