جلال الدين الرومي
491
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
العينين ، وهكذا حتى أعلى قيمة في هذه الحياة وهي معرفة الحق ، فقد أرسل الرسل بالمعجزات التي لا تجرى على يد بشر عادى لكي يدل على نفسه ، ومن بعد الرسل هناك الأولياء وكراماتهم وهؤلاء يؤثرون فيمن حولهم ، ويعطونهم مما لديهم ، فتنتقل إليهم السعادة من السعداء مصداقا للقول المأثور " من أراد أن يجلس مع الله فليجلس مع أهل التصوف " ( مولوى 6 / 187 ) وإذا كانت المعجزة قد أثرت على الجماد فحولت الحجر إلى متحدث وانشق القمر وتحولت العصا إلى حية وتحدث الحصى وأن الجزع ، وكلها آثار ليست من هذه الجمادات تخلقها تلك الروح الحلوة التي تجلى تأثيراتها على الجمادات فما بالك بالبشر ، لا بد وأنهم سوف يتأثرون إذا لم تكن قلوبهم أقسى من الحجارة ، إنها كمائدة عيسى عليه السّلام نزلت من السماء دون انقطاع ، وهي كذلك النخل الذي هزته مريم وكان جافا فتساقط رطبا جنيا ، وهذه المعجزات لا بد لها من روح كاملة هي روح المرشد الذي يستطيع أن يجعل المريد يتقبلها ، هذا إذا كان طائر هذا البحر ولم يكن طائر بريا لا يستطيع أن ينزل بحر المعنى والفضل الإلهى " وهكذا الناقص لا يصل إلى الكرامات وكلما رأى كرامة ظنها استدراجاً " لأنه لا إخلاص له ولا استعداد لديه فالكامل في الحقيقة في خصوص الكرامات برئ من النقصان والهلاك ، لأنه قادر على التمييز بين الكرامة والاستدراج يعلم محل إظهار الكرامة ومحل إخفائها ، فكل ما ظهر منه موافق لإرادته تعالى فإذا أثرت في ضمير التابع قيل لها كرامة ، ( مولوى 6 / 189 - 190 ) . ( 1316 - 1325 ) : لا يزال مولانا يتابع الحديث في هذه النقطة : إن الأمور كلها عطايا : فعطية من لم يؤذن له الإنكار والعجز وعدم الفهم ، وعطية النجى الملازم القدرة على الفهم والتقدير والتقبل ، فإن لم تجد في نفسك أثرا للمعجزة والكرامة فتتبع الظاهر لكي تصل إلى الباطن ، فإن الظاهر عنوان الباطن ، فالآثار الظاهرة على الحواس مخبرة عن المؤثر ، واللسان ترجمان القلب ، ولديك دلائل كثيرة على هذا الأمر . فإنك إن نظرت إلى الدواء لن