جلال الدين الرومي
480
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
أنطافه وعناياته أولًا بأول ، وهذه العناية المتمثلة في محمد صلى اللَّه عليه وسلّم هي العلاج لكل مساكين العالم ولكل فاقدى الحيلة " أحيني مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى في زمرة المساكين " ، إنه السبيل والطريق إلى العالم الحي الباقي ، فها هو الفرج ، وقد زال الجرح ، ورفعت الأغلال والإصر ، وإن لم تكن تبحث عن المساكين فكيف تذهب شمس بهذه العظمة إلى كوخ هلال ( القصة التالية ) أو من صنف بلال ، وكيف تنادى أرحنا يا بلال بآذانك للصلاة لتفرغ من مشاغل هذا العالم ؟ ! هيا يا بلال وأعلنها فلقد صرت معي ونجوت من العدو ، هيا فها هي الصلاة بشرى لكل محزون تنفث في روحه قائلة له : هيا أيها المدبر قم ، فها هو طريق الإقبال قد فتح أمامك ، قم من هذا السجن وهذا العفن وهذا القمل ، هيا اتخذ هذا الطريق ، فلقد نجوت ، أخف سرك هذا واصمت ، ولا تتحدث به إلى من ليس أهلا له ، لكن هيهات ، فالعاشق لا بد أن يتحدث ، كيف يخفى السر وهو يظل قائلا ها أنا ذا ( انظر الكتاب الثالث ، الأبيات 4735 - 4739 وشروحها ) إنها طبول عديدة يدقها هذا العشق ليعلن عن نفسه ، لكن من حرم ومن ليس بأهلها لا يسمع فلا تأبه به ، ولا تهتم ، فإنه حتى إذا حمل إلى الجنان فلن يحس بالريحان والندى ، وإن أخذت الحور بيده لتحمله إلى الجنان لن يحس إلا بأنها تعتصر يده ولن يحس إلا بالألم ، وسوف يتساءل ويندهش ، ما هذا الشد والجذب ؟ ! دعني في نوم الغفلة ( الدنيا ) دعني في أحلامى ، أحلامك ؟ ! إن هذا هو ما تطلبه في أحلامك ، فافتح عينيك لترى هذا القمر الذي تحلم به ، أترى إلى أي مدى أنت تتألم ، وهكذا يتألم الأعزاء ، فهذا الخفاء يكون من دلال المعشوق على العاشقين ، فمهما كنت تطلب فأنت طالبه ، إذ ليس ثمة حق سواه ، وليس ثمة مطلوب سواه ، والأعزاء يفهمون ويصبرون ويسعدون ، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ، لكن من محيت عن عينه رؤية الحقيقة ، يظل ضائقا بالبلاء ، ومع ذلك فهو يبتليهم لعل وعسى ، ولعله يسمع صراخهم ودعاءهم ، ومن هذا القبيل أيضاً زيارة الرسول صلى اللَّه عليه وسلّم لهلال نزيل منزل أحد عميان القلوب .