جلال الدين الرومي
458
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وعز المعشوق الحقيقي جل وعلا لكن على وجه التمثيل والكناية لأن العقل الغيور لا يرضى بالتصريح فيطلع على أسرار العشق المحارم ( من أذن لهم ) لا غير ( مولوى 6 / 105 ) . ولا حاجة بالعقل إلى هذه الغيرة ما دامت الروح خفية هذا الخفاء ، أتراه من فرط المحبة التي يكنها العقل للروح ؟ ومن هو أهل لها يراها مهما أخفيتها ومن هو غير أهل لها لا يراها مهما كانت واضحة ظاهرة . وكيف تخفيها أيها العقل الغيور والشمس في كبد السماء لا تجد أثرا منها ما لم يسمح لها ، وكيف تضع النقاب على وجهها ونورها يشع من وراء هذا النقاب ؟ ! والجواب : إنني من فرط الغيرة التي أحس بها تجاه هذا المحبوب أريد أن أخفيه حتى عن نفسي ، أغار عليه من عيني أن تراه ومن أذني أن تسمعه ، إذن فلماذا تتحدث ؟ ! ألست تخاف أن تفصح عما لا يجب الإفصاح عنه أمام من ليس بأهل له ؟ ! فيها أيتها الروح وهيا أيها القلب أصمتا تماماً . ( 701 - 707 ) : يحاور مولانا قلبه وروحه ويسمع الرد منم هذا القلب والروح : إن الصمت عند أهل المعنى حديث ( انظر الكتاب الثالث عن آفة الحال إدراك المقال ، وعن غسل الدم بالدم وعن الصمت المحال والنار في صوف وقطن ، الترجمة العربية ، الأبيات 4725 - 4739 وشروحها ) لكن الأمر هنا ليس على شاكلة النار في صوف وقطن بل هو على شاكلة الشمس التي تحاول أن تداريها فتمزق الحجب ، إن هذا الحديث ضروري ومهم ولا مندوحة عنه ولا محيص عنه ولا مهرب ، إن بحر المعاني تجيش غواربه فيتحول جيشانه هذا إلى زبد على وجهه ، أليست الحقيقة العليا هي القائلة : كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبى عرفوني " ، اعرف نفسك إذن أيها المخلوق ، أنت زبد البحر الكلى ، ومن ثم فإن الكلام حجاب واخفاء الكلام هو عين إظهاره ، إنك لا تتحدث بل تشير وتومىء فيزداد الكلام من هذه الإيماءات والإشارات ، هذا يفسره وهذا يزيد منه ، وهذا يؤوله ، فتحدث أنت إذن حتى ينشغل الناس بكلامك عما تعبر عنه ، فأنت تراهم