جلال الدين الرومي
4
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
الجبر والاختيار أو قضية الحرية الإنسانية ، وكأن مولانا كان يستشرف بنظرته المستقبلية النفاذة أن هذه القضية سوف تكون من قضايا المواجهة بين الشرق والغرب ، وأن الغربي عندما سيتسلط على المسلم سوف يقدمه كشخصية مستكينة إلى الجبر ، قشة في مهب الريح ، معدوم الحركة والإرادة في مواجهة قوة عاتية عمياء ، كما أن وقتا سوف يأتي يتهم فيه الفكر الإسلامي بأن قضية الحرية لم تطرح فيه أساسا . ولا يكاد كتاب واحد من كتب المثنوي الستة يخلو من حديث عن مشكلة الجبر والاختيار ، حديثا لا يتصل بأبعادها الكلامية فحسب ، بل يتناولها كعادة مولانا عند تناوله لكل مشكلاته أبعادها الحياتية المعاشة ، فكأن مولانا في طرحه لقضية الجبر والاختيار يطرح في الأصل قضية الحرية على النحو التالي : 1 - ينطلق مولانا جلال الدين في تناوله لقضية الجبر والاختيار من أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الكائنات كلها ، منح الإنسان وحده من بينها منحة الحرية ، فالحرية بالنسبة له عطية إلهية . ولم يكن جلال الدين الرومي أول من وضح هذه الفكرة ، إذ وردت من قبله عند كل الصوفية ، فالفكرة تكاد تكون موجودة بنصها عند سنائي الغزنوي الذي قال : - إن الإنسان مختار بين العقل والهوى ، وهذا هو تفسير آية " كرمنا " . - فلا تذل الإنسان ، ولا تشعره بالهوان ، فهو في الغيب ، صار جوهرا من بين الناشئين في العيب . - ومن بين العباد الذين وراء الحجاب ، إختارك أنت الاختيار . - إلا أنك عن طريق الغضب والاحتيال ، تصبح وحشا ، أو تصبح دابة . « 1 »
--> ( 1 ) سنائي الغزنوي : حديقة الحقيقة وشريعة الطريقة - الترجمة العربية لكاتب هذه السطور - الأبيات 5461 - 5464 وشروحها - القاهرة - دار الأمين للطباعة والنشر - 1995