جلال الدين الرومي
5
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
فكأن الصوفية كانوا يجمعون بين الاختيار والكرامة التي منحها الله للإنسان ، وأن مما يترتب على هذا التكريم الإلهي ألا يتعرض الإنسان للمهانة والإذلال من إنسان ، أو تسلب منه هذه الحرية التي منحها له الله تعالى . لخص سنائي وجهة نظره في عدة أبيات . لكن جلال الدين كعادته في الاستفاضة وكشف نقاط جديدة في القضايا التي تناولها الصوفية من قبله ، ينطلق إلى آفاق أبعد وأوسع ، فالاختيار عنده هو ملح العبادة ، فما فائدة عبادة يكون الإنسان مجبرا عليها وتكون قدرا عليه : - والاختيار هو ملح العبادة ، وإلا فالفلك وحده يدور بالرغم منه . - فإن دورانه لا طمعا في ثواب ولا خوفا من عقاب ، والاختيار فضلٌ عند الحساب . « 1 » بل بقدر جهد الإنسان تكون رحمة الله به : - إن هذا الجهد والدعاء بقدر الهمة ، وليس للإنسان إلا ما سعى . « 2 » ويطيب لمولانا جلال الدين أن يبين دائما أن أول من قال بالجبر هو إبليس اللعين ، وأن أول من قال بالاختيار هو آدم عليه السّلام : - وتعلم من أبيك يا وضاء الجبين ، إذ قال قبل الآن " ربنا ظلمنا أنفسنا " . - فلا هو تعلل ، ولا هو احتال ، كما أنه لم يرفع لواء المكر والحيلة . - ثم إن إبليس هو الذي بدأ الجدل قائلا : لقد كنت أحمر الوجه " عزة " وجعلتني أصفره " ذلا " .
--> ( 1 ) مثنوى : 3 / 3287 - 3288 ( 2 ) مثنوي : 4 / 2912