جلال الدين الرومي

600

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 3311 - 3322 ) : إن صاحب عقل المعاش أو العقل الجزئي لا يرى إلا ما يستطيع هذا العقل أن يدركه ، أما صاحب عقل المعاد فهو الذي يدرك إلى أبد الآبدين ، فابحث إذن عن عين الغيب واستفد منها في التطلع إلى ساحات الآخرة وإلى ذلك العالم الذي لا تدركه عينك الدنيوية - حينذاك يفتح عليك كما فتح على موسى عليه السلام ، وهل وجد موسى عليه السلام ما وجده من معجزات بعكوفه على الكتب أو ملازمته لأستاذ ( أي من استخدام هذا العقل الجزئي ) . . فاستمع وانظر في صنع الله وكن مستمعا أفضل لك من أن تكون متحدثا ، فإن منصب التعليم شهوة . . والرسول عليه الصلاة والسلام يقول « الشهوة الخفية والرياء شرك » ، هذا الكلام أو الحديث من قبيل الفضول وهو آفة الحال ، ولو أن كل فضولي عرف الطريق وحده إلى الله بهذه الشقشقة في الألفاظ إذن لما كان الله سبحانه وتعالى قد أرسل الرسول ، والمعنى قريب من بيت لسنائى الغزنوي : متى وصل كل خسيس من تلوين الكلام إلى هذا الطريق ، ينبغي ألم محرق للعمر وأن يكون المرء موفقا ( ديوان سنائى / 458 ) . إن هذا العقل الجزئي مؤقت ، ذكاؤه مؤقت ، ووميض فكره مؤقت تماما كوميض البرق ضعيف سريع الزوال ، لا يمكن السفر فيه إلى بلد بعيد ، إنه إيذان فحسب ببكاء السحاب ومن ثم فكلما أجهد هذا العقل الجزئي نفسه . . أدرك أنه قاصر . . لا يستطيع أن يقدم حلا لكل المشكلات فيكون ذلك إيذانا ببكاء الطبيعة ، . . حيث تنقشع غيوم العقل الجزئي وتطلع شمس عقل المعاد وبنورها ينجو الإنسان من ظلمات الغفلة والجهل . . ويحس المرء بضعفه إذن ويبكى . . من كونه عدما شوقا إلى الباقي الذي لا ينعدم . . إنه وسيلة تدلك على الصلاح . . لكنه ليس الصلاح في حد ذاته .