جلال الدين الرومي

599

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

بعض العلماء الغين هو التقليد بأحوال فئة أو الانقياد لهم ولو كانت هذه من رحمته بعباده لكنها أيضا نوع من الحجاب تمنع القلب من التلذذ بالجمال الإلهى ومن هنا طلب المغفرة ( مولوى 4 / 450 ) ، لكن هذا السكر - والحديث لمولانا - يجعلني دائما أرجع عن توبتي ، إنه ينسبنى ما أزمعت عليه ويجعلني انطلق في الحديث ، إنها الحكمة الإلهية لإظهار الأسرار ، هي التي تجعل هذا السكر الإلهى يصيب العالم بالأسرار ( أي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ) حتى يبوح بهذه الأسرار ولا يضن بها ، هذه الأسرار هي ظاهرة منذ الأزل ذات طبل وعلم منذ جف القلم الإلهى من كتابة اللوح المحفوظ وقدر ما سوف يحدث إلى يوم القيامة وهذه الأسرار تفور كالماء الجاري في أودية قلوب العارفين . . ولا بد من السكر حتى تفوه بها ألسنة الأنبياء والعارفين وإلا ما عرفها أحد ، فهم في السكر مغلوبون كالمجنون لا رابط على لسانه ( شرح التعرف 4 / 145 ) وهذا في حد ذاته من رحمة الله سبحانه وتعالى بعبيده . . وهي لا تنقطع في أي زمان لكنكم نائمون عن إدراكها أيها الخلق . . وما أشبهكم بنائم على جدول ماء ( غشاه النعاس ) ثيابه تبتل من ماء وهو في نومه ( حياته الدنيوية ) يسرع في أثر سراب أوهامه وأفكاره فيغلق طريق الرحمة على نفسه ، إنه يظل يعدو في أثر السراب ويزداد بعدا عن الرحمة . . إنهم فيما يتصل بالدنيا يتميزون بحدة النظر لكن أرواحهم نائمة ، لا ترى أبعد من هممهم ، فآتوهم بالرحمة أيها السالكون في طريق الحق العالمون بمرتفعاته ووهاده ومصاعبه . . والعجب أنهم ينامون وهم ظمأى ، فأي ظمأ هذا الذي يجلب النوم سوى ظمأ الأحمق الذي لا عقل له . . ولست أقصد بالحق ذلك الذي سميته أنت عقلا . . بل أقصد به ذلك الذي يرعى من فضل الإله .