جلال الدين الرومي

580

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

من هنا يرسل الله تعالى الرسل ليحرك تلك القرب بنسق ونظام وفن وما هو صالح للبشر يمكن أن تستخرج أفضل ما فيهم لا يؤيسهم ولا يقنطهم ، كما لا يقوم بجعلهم يأملون أملا واهيا . . إنه يخضها برفق حتى يصعد الزيت على وجه المخيض وهذا واجب الأنبياء ، وواجب العرفاء والأولياء بعد ختم النبوة . ( 3036 - 3040 ) لكن ليس الكلام فحسب اللازم بل وأن تكون أذن المؤمن منصته لنا ، تمتلئ بكلامنا فتنطق . . تماما كالطفل يمتلئ في البداية بكلام أمه ثم ينطق . . وإن لم تكن أذن الطفل صحيحة فإنه لا يستمع الكلام ويكون أخرس وكل أبكم في البداية أصم ، ومن ثم فمن كان بأذنه آفة فهو غير قابل للتعلم ومولانا يرى أن الطالب المستعد ليس أقل أهمية من العارف المتعلم ( أنظر الكتاب الثالث أبيات 3602 وما بعدها ) وأول كلمة في المثنوى هي « استمع » ( البيت الأول : أستمع للناى يأخذ في الحكاية . . ومن الفرقة يمضى في الشكاية ) . ( 3041 - 3050 ) النطق بلا تعليم خرق للأسباب والعلل ، والله سبحانه وتعالى هو الناطق بلا تعليم ، إنه لا تجرى عليه عللنا ، وآدم عليه السلام علمه الله إذ لا أم له ، وعيسى في المهد لكي يبرئ أمه البتول عليها السلام من افتراءات اليهود . . لكن مع هذا التحريك للمخيض ، ينبغي أن تكون هناك حركة ، جهد ، كدح ، فالزيت مكتوم والجسد بين ظاهر ، في حين أن الظاهر هو القشر وهو الواهي وهو المؤقت ، والباقي هو الذي يبدو فانيا . . وإذا كنت قد وصلت إلى مرحلة الشيخوخة ، فلا تنفق هذا المخيض الذي يبدو بلا زيت ، بل جاهد في أن تقوم بتنشيطة وتدويره وتحريكه بالعلم حتى يبدو ما هو خفى فيه من زيت ، ذلك أنه ما دام هذا البدن الفاني موجودا فهو دليل على وجود الروح الباقية ، تماما كما تدل ضجة السكارى على وجود الساقي .