جلال الدين الرومي
510
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
( 1874 - 1885 ) انظر إلى كل شئ في هذا العالم يبدأ صغيرا ضعيفا واهنا ، لكنه في النهاية يكون صاحب تأثير قوى وخطر عظيم ، تلك الشرارة التي تنطلق من اصطدام قطعتى حديد ، إذا اقترب منها قليل من القطن سرعان ما يندلع لهيبها حتى الأثير ، وهكذا الإنسان يبدأ جنينا ، وتبدو أمارات الحياة ضعيفة فيه لكنه إن وجد الظروف المناسبة ، ومثيل للقطن والكبريت ( الأم والأب ) ينمو ويترعرع ويصل طموحه وعلمه ونوره حتى السماوات العلا ، يترك هذه الأرض ، ويتمرد على الطين الذي منه خلق ويثور على الظلمة التي تحيط به ، يملأ العالم بالنور ويقوم بكل معجز من الأعمال حتى ليقتلع قطعة الحديد الضخمة بإبرة ( وينسف الجبال ويخترقها بالأنفاق ، ويصعد إلى السماء حقيقة لا مجازا وبجسده هذه المرة لا بروحه بل بجسده وروحه ويتنقل بين الكواكب ويرسل عنها الصور إلى الأرض . . . ويهبط إلى سابع أرض ويبنى المدن تحت المدن ويقوم بما كان يحسب في يوم من الأيام حلما من الأحلام ومن يدرى ؟ ! لكن ألم تكن كلها أحلاما نحلم بها الروح والفكر والخيال والوهم في البداية ؟ ! هذا الحلم الإنسانى ميدان من ميادين العرفان . الحلم بالعودة إلى الجنة ، أو على الأقل الخروج عن مقررات الجسد وما يستدعيه ولا يعنى الإنسان في كل طموحاته هذه إلا ذلك ما العالم العظيم الذي يسع الألوان كلها وهو الروح ، هي السارية في الأكوان سريان النار التي وإن كانت تسرى فهي ليست روحانية ، هي مجرد جسم سريانها ينتهى عند نهايته ، لكن الروح هي المختصة بهذا العز ولا نصيب لأي جسم كان فهو بالنسبة للروح كالقطرة أمام المحيط ، وهو الذي تحيا به بالروح ، وإلا فانظر إلى الجسد عندما تغادره الروح إلى أي شئ ينقلب وماذا يصبح . . ومن هنا فالجسد محدود بذراع أو بذراعين أي أن إدراك قدر قامته لا يتجاوز هذا الذراع أو الذراعين أما الروح فهي تقوم بجولات واسعة في السماوات . . تستطيع أن تكون في مقامك هذا ( في قونية )