جلال الدين الرومي

480

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

الذي يصل بالإنسان مهما كان متكاملا وناضجا وحاويا لعلوم الدنيا بالملأ الأعلى وينجيه من التدحرج من فوق القمة إلى السفح ، وإلى المحاق بعد الاكتمال ، ويفتح أمامه الحياة الأبدية الخالدة ، فلا يفنى أبدا ، ذلكم هو علم معرفة الحق ومعرفة طريقه ، ومن ثم فقد جعل هذا التركيب الحيواني مؤتلفا مع العلم ، وإلا كان الإنسان أضل من الأنعام فبهذا العلم يكون الإنسان في يقظة ذاته ناجيا من الروح الحيوانية التي لا تعرف غير النوم « الحياة الدنيا على فحوى الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » ، وتلك الروح الحيوانية التي تجعل الناس يملكون أحاسيس معكوسة فيظنون النوم يقظة واليقظة نوما ، يفضلون الدنيا وهي خيال وحلم نائم على الآخرة التي هي دار البقاء وهي الحيوان لو كانوا يعلمون ، وعندما تأتى اليقظة يمضى النوم . . وعند ذاك تعلم أنك كنت في نوم ( انظر لشرح النوم الأول والنوم الثاني الكتاب الثالث شرح أبيات 1735 - 1739 ) وتقرأ في لوح وجودك ( قلبك ) أنك كنت نائما وتنتفى عنك الغفلة إذا ظهر هذا الحس ظهر عكسه تماما ومن هنا فالإنسان حيواني الحس يكون ( أسفل سافلين ) . . لقد خلق في أحسن تقويم وجمعت فيه الحقائق اللاهوتية والدقائق الملكوتية ، كما قال نجم الدين ثم رددناه « أسفل سافلين » الطبيعة ( المولوي 4 / 213 ) . فكن كما كان الخليل رأس الموحدين فقال « لا أحب الآفلين » ، ودعك من الواهن العابر واختر المتين الثابت الباقي وحذار أن تخدع بالروح الحيوانية لأنها استطاعت أن تغير من أصل وجودك ، والحقيقة أن ضعفه هو الذي جعل الروح الحيوانية تنفذ إليه وتغيره وهي وإن كانت هكذا في الحيوان ، فإن للحيوان عذره في البهيمية فهي طبعه ، أما الإنسان فهو الذي لديه استعداد الرقى ، واستعداد الصراع ضد الطبيعة ، والطبع والحيوانية هما اللذان يقودانه بالفعل ، فإن كل ما يفعله يزيده غفلة وقربا من الحيوان ، بل إن أنواع العلاج تكون ذات نتائج عكسية تالية له . هذان هما النوعان الظاهران الواضحان من بين البشر من رقى إلى مرتبة الملائكية ومن