جلال الدين الرومي
451
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
يبينه الأنبياء هو الذي يكون خاليا من الحرص والهوى والغرض ، ومن ثم فإن أبنيتهم تزداد بهاءً وعظمة ورفعة مع مرور الزمان . . وما أكثر المساجد التي بنيت لكنها لم تحمل اسم « المسجد الأقصى » انظر أيضا إلى الكعبة هل زادها أصنام مثل اللات والعزى رونقا ومجداً ؟ ! إنما يكون مجدها وعظمتها من إخلاص إبراهيم عليه السلام ، إن شرف المسجد الحرام وحرمته ليست نابعة من حجارته ومن هيئته ومن الحجر الأسود ، بل لأن البناء قد تم على الوفاء والإخلاص في عبادة الله عز وجل ، لم يبن كبرا أو ردا أو حربا أو خصاما ، هكذا أبنية الأنبياء وهكذا مساجدهم ودورهم وأحوالهم ولا علاقة لها بما للآخرين ، وليس غضبهم ولا أدبهم ولا نكالهم ولا حرصهم ولا فعالهم كالآخرين ، بل إن طيران أرواحهم من جناح آخر ، إنهم مختلفون عنا تماما ، فإن لأفعالهم صفرة الذهب الرنان وقيمته ، ومن ثم فقد انقشعت الظلمات أمام أرواحهم فصارت في ظلمات الليل ترى ضوء الفجر ، . . فهذه هي أرواحهم التي تضئ أمامهم ( أنظر قصة عبد الله المغربي في نفس هذا الكتاب شرح الأبيات 598 - 612 ) إن كل ما أتحدث به عن هؤلاء القوم مهما أفضت ومهما فصلت يظل ناقصا . ( 1146 - 1155 ) فهيا أيها الكرام هيئوا قلوبكم وهي لكم بمثابة المسجد الأقصى للمؤمنين ، فإن سليمان الإرشاد والطريقة قد أتى إليكم فاجعلوا هذه القلوب مستعدة لإفاضاته ، وإن تمردت عليك قوى النفس وأعرضت عن الطاعة فإن قوى الروح مستعدة لحصارها وقمعها وحملها على الجادة وها أنت أيها الروح السليمانية ، لو أن الشيطان إعوج لحظة واحدة ، فإن سياط العذاب الإلهى تلهب رأسه « وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ » ( سبأ : 12 ) . فكن أنت في عظمة سليمان حتى تقوم قواك النفسانية أيضا بالمشاركة صاغرة في بناء إيوان قلبك ، فكما كان في الخاتم قوة لسليمان ، فإن خاتمك ومكمن قوتك ومفتاح هذه القوة هو هذا المضغة التي