جلال الدين الرومي
428
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
( 812 - 829 ) : عودة إلى خطاب سليمان عليه السلام إلى بلقيس ، ها هو يعيد لها أنه يدعوها إلى الإيمان دعوة خالصة لله تعالى ، ولا دعوة تكون مخلصة إلا إذا كانت لله تعالى ، لا لغرض فيها ، ولا لشهوة إلى جمالها ، ولا لطمع في حسنها ، فكل هذه أصنام جاهلية يرتفع عنها المؤمن فما بالك بالنبي الذي هو سليل محطم الأصنام ، الأصنام هي التي تسجد له ، ولو حدث ودخل أحمد عليه السلام وأبو جهل إلى معبد الأصنام لكان هناك اختلاف كبير بين دخول ودخول ، فسوف يسجد أبو جهل للأَصنام بينما تسجد الأصنام كلها لمحمد عليه السلام كما حدث بالفعل ( المولوي 4 / 115 ) وهذه الشهوات التي تسكن جسد الإنسان إنما هي على مثال معبد الأصنام . . يستوى في وجود هذه الشهوات الأنبياء والكفار ، فليس الأنبياء مبرأون من وجود الشهوة ، فهم بشر من خلقه سبحانه وتعالى ، لكن الشهوة تحت سيطرتهم ، فهم كالذهب النضار مهما تعرض للنار يزداد لمعانا ، بينما الكفار كالزيف ، يسود إن تعرض للنار ، فلا تنظر إلى ملوك الدين على أنهم هم الآخرون مخلوقون من الطين ، وقد ركبت فيهم الشهوة ، فقد كانت هذه نظرة إبليس إلى آدم ، لم يكن في نظر سوى مجرد مخلوق من طين ، لم ينظر إلى ما تفوق به عليه أي نبوته وعلمه ، وهكذا تكون نظرة العوام إلى الأولياء إنهم مجرد بشر وأنهم كلهم سواء ، ولا ينظرون إلى النور الذي اختصوا به لعظيم مجاهداتهم وارتفاعاتهم على بشريتهم ، هيا انهضى يا بلقيس ودعك من هذا الملك كما فعل إبراهيم بن أدهم ، والخطاب هنا بالطبع لمولانا جلال الدين وليس لسليمان عليه السلام ، على أساس أنه لم يوجد في عالم الأنبياء ما حرم منه عالم الأولياء ، وأن الولاية في أوانها تقوم بما كانت النبوة تقوم به في أوانها وعلى أن المؤمنين كلهم جسد واحد .