جلال الدين الرومي
25
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
كانت في البداية تصيح : ما أبعدك يا مكة فلن تصل إلي مكة أبدا أو ستظل تدور حلقات مفرغة » مثل التضارب بين هوي المجنون وهوي ناقته « 1 » . . وإن كانت الأزمنة من ماضي وحاضر ومستقبل كلها تمتزج عن الصوفي . . فيكون ابن وقته ثم يتجاوزها ليكون « أبا وقته » أي مسيطرا كل السيطرة علي كل أحواله ووارداته ، فهو ليس عبدا لأي شئ ، وليس ابنا لأي شئ « 2 » ( أما البعد الرابع فهو الوعي بذاته ، إنه يقيم ذاته بوعي تام يعطيها حقها لا تنقص ولا تقل يعرف عيوب نفسه ومزاياها ، يكون مراقبا لها ، ممسكا بزمامها ، في غاية التنبه . . ولمولانا تعبيرات في غاية الدقة والذكاء في هذا المجال ، وأولئك الذين لا يعرفون ذواتهم أو يتظاهرون بأنهم أعظم مما هم عليه بالفعل هم الذين يثيرون دائما عند مولانا جلال الدين الميل إلي السخرية أنهم أشبه بابن آوي الذي نزل في دون الصباغ ( انظر في الكتاب الثالث حكايات القروي والحضري وسقوط ابن آوي في دن الصباغ والرجل الذي كان يدهن شاربه ثم فرعون وموسي ) فهناك شعرة واهية جدا لا تكاد تري بين الوعي بالذات ومعرفة الذات وبين الغرور ، والامتحانات الصعبة الحقيقية لا تصل بالفعل إلا بعد أن يكون الوعي بالذات قد بلغ مداه فاعلم ذاتك . . لكن آمن من المكر فإبليس وبلعم ابن باعوراء أضلهما الله علي علم ، وهاروت وماروت سقطا عندما تعرضا لأول امتحان ، فأنت ان دققت النظر لن تجد سوي العجز ، وليس لك بالفعل إلا التسليم ، وهذا الوعي بالذات عن الإنسان الكامل ينقسم إلي وعي بالباطن ووعي أيضا بالظاهر فمن الأوفق للإنسان أن يكون عالما بموقعه من مجتمعه وموقعه
--> ( 1 ) الأبيات 1534 وما بعدها من الكتاب الذي بين أيدينا . ( 2 ) انظر 3 / 1426 وما بعده .