جلال الدين الرومي
8
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وإذا كان كل عنصر يعود إلى أصله ومنبته ، فإلي أين تمضي الروح إذن إن لم تمض إلي أصلها ومنبتها ؟ والمثنوي بأجزائه الستة عبارة عن تتبع لرحلة الروح في العودة إلي منبتها . وافتتاحية الكتاب الأول عبارة عن أنين الناي شوقا إلي الغاب أو أنين الروح شوقا إلي الجنة ، يقول مولانا في هذا المعنى : « يقول التراب لتراب الجسد : عد ، اترك الروح وأقبل نحونا كالغبار - إنك من جنسنا وأولي بك أن تكون عندنا ، - وأفضل لك أن تنجو من الجسد ومن تلك الرطوبة التي فيه - فيقول : لبيك ، لكني مقيد القدم ، بالرغم من أنني في ألم من الهجران مثلك - ويطلب الماء رطوبة الجسد قائلا لها : أيتها الرطوبة عودي إلينا من الغربة - ويستدعي الأثير حرارة الجسد قائلا لها : أنت من نار فعودي إلي أصلك - وهناك اثنتان وسبعون علة من العلل في الجسد ، فاقدة للزمام في جذب العناصر - ثم تأتي العلة « الكبري » حتى تفتت البدن ، وحتى تترك العناصر بعضها البعض الآخر - وهذه العناصر طيور أربعة مقيدة القدم ، والموت والمرض والعلة هي التي تفك قيد القدم - وعندما تفك قيودها ، يشرع طائر كل عنصر في الطيران علي وجه اليقين - وجذب هذه الأصول لفروعها ، تضع في كل لحظة ألما علي أجسادنا - حتى تمزق كل هذه التراكيب ، ويعود طائر كل عنصر محلقا إلي أصله - ولما كان كل جزء ييبحث عن اللحاق برفيقه ، فكيف تكون الروح الغريبة في الفراق ؟ إنها تقول : يا أجزائي الأرضية الدنية ، إن غربتي أكثر مرارة فأنا من العرش « 1 » . لا نقص إذن من الموت والفناء ، فالفناء سبيل إلي البقاء ، هو تمام الدائرة ، فقبل قوس الصعود كان قوس النزول ، لكي تتم دائرة الكون التي يعبر عنها الرقص المولوي ، ويلخص مولانا هذه الفكرة في أبيات هي أشهر أبيات هذا الكتاب الثالث من المثنوى « لقد مت من الجمادية وصرت ناميا ، ومت من النماء
--> ( 1 ) الأبيات 4424 - 4240 من هذا الكتاب .