جلال الدين الرومي
9
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وانقلبت حيوانا - ومت من الحيوانية وصرت إنسانا ، إذن فمن أي شيء أخاف ؟ ومتي نقصت من الموت ؟ - وأموت مرة أخري من البشرية ، حتى أخذ من الملائكة أجنحتها وقوادمها - ومن الملائكية ينبغي أن أقلع عن الطلب ، ذلك أن كل شيء هالك إلا وجهه - ثم أصير بعدها فداء من الملائكية ، وأصير إلي مالا يحده وهم - إذ أصير عدما والعدم كالأرغنون ، يتغنى لي قائلا : إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ - فاعلم أن الموت هو ما اتفقت عليه الأمة ، من أن ماء الحيوان مخبوء في الظلمة « 1 » . وإياك أن تقيس هذه الأمور بمقياس العقل ، فكما جئت تعود ، فهل تعلم كيف جئت ؟ هذه المراحل تطلب في البداية انتفاء المكان والزمان والكثرة والأعداد وكل ما يتعلق بمنطق الجسد ، فإنك إن فعلت لا يمكن تصور هذه الأفكار إلا كجزء من أخيلة الشعراء وتهاويم الصوفية عند السكر وغلبة الوجد . ولكن مولانا يقدم قياسات عديدة تتصل بنظرية تكامل الأنواع عنده ، فإن المادة التي تنقلب إلي موجود حي هي مادة ميتة ، لكنها تكتسب حياة قائمة علي الوحدة مع عناصر الحياة المتعددة ، وقد تناول الهجويري هذه القضية تحت عناوين مختلفة ، وعندما يتناول بالحديث فرقة الطيفورية اتباع أبي يزيد البسطامي يقول : إن نظريتهم الخاصة هي الغلبة والسكر ، ولقضية الصحو والسكر علاقة وثيقة بقضية البقاء والفناء فقد كان أبو يزيد وأتباعه يرجحون السكر علي الصحو ، في حين أن الهجويري نفسه كان يفضل الصحو علي السكر ، إذ كان أبو يزيد يعتقد أن الصحو يتضمن إثبات الأعراض البشرية التي تقف كحائل أمام الإنسان في سيره إلي الله ، في حين أن السكر يتضمن نفي الصفات البشرية ، بحيث تبقي فيه فحسب تلك الملكات التي لا تنتسب إلي البشرية وهي أعظم ملكاته على الإطلاق .
--> ( 1 ) الأبيات 3904 - 3909 من هذا الكتاب .