جلال الدين الرومي
7
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
قائلا : لقد جئت من العالم الحي منذ البداية ، وهأنذا قد عدت من أسفل إلي أعلى وجملة الأجزاء متحركة كانت أو ساكنة ، ناطقة إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ « 1 » . وينتقل مولانا دائما - كدأبه في كل أجزاء المثنوي - من العالم الكبير « الكون » إلى العالم الصغير « الإنسان » مع فارق جوهري ، وهو أن مولانا يعتبر الكون تصغيرا للإنسان الذي هو في رأيه « العالم الأكبر » مما سيتضح في كتاب تال ، علي كل حال يدق مولانا سواء تناول الإنسان أو الكون علي أن البقاء والصعود والسمو كامن - في الفناء المرحلى ، والتشابه - موجود علي الدوام بين مراتب الحياة الجسمانية ، ومراحل الكمال الروحاني ، فالإنسان في رقي وسمو دائم ، من جنين يتغذي علي الدم إلي رضيع يتغذي علي اللبن ، ثم أكل للطعام ثم نابذ للطعام سام بروحه إلي أفاق عليا ، الفكرة نفسها التي وردت عند سنائي في الحديقة من منطلق أن الله حافظ للإنسان في كل مراحل حياته ، ولا يمكن أن يضيعه بعد موته « 2 » . وفي هذا السير التطوري يصبح الموت مجرد بوابة إلي حياة جديدة وأفضل ، ويفيض مولانا كغيره من الصوفية في شرح هذه الفكرة ، أن في الموت خراب الجسد لكن فيه أيضا عمارة الروح يقول : « كنت مثل ادم من البداية في حبس وكرب ، وامتلأ الآن الشرق والغرب بنسل روحي - كنت شحاذا في هذا المنزل - الشبيه بالجب ، وصرت ملكا ، والملك في حاجة إلي قصر - ذلك أن الملوك يأنسون إلى القصور ، أما الموتى فيكفيهم القبر منزلا ومكانا - لقد ضاقت هذه الدنيا علي الأنبياء ، فمضوا كالملوك إلي اللامكان - وإن لم تكن ضيقة فلماذا هذا الصراخ ؟ ، وكيف انحنى كل من عاش فيها طويلا ؟ - وكيف تحررت الروح عند النوم من ذلك المكان ؟ ، وكيف صارت من نومها هذا « بادية » السعادة ؟ لقد تخلص الظالم ثانية من ظلم الطبع ، وانفلت السجين « خارجا » من تفكيره في السجن » « 3 » .
--> ( 1 ) الأبيات 460 - 464 من هذا الكتاب . ( 2 ) انظر شروح الأبيات 50 - 68 من هذا الكتاب . ( 3 ) الأبيات 3538 - 3544 من هذا الكتاب وشروحها .