جلال الدين الرومي
639
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
منه كل من لم يكن خبيرا بعوالمه ، فالرسول إليها يتحول إلى مانع ، والحطاب الذي يقرؤه مصحفا بحيث لا تؤدى الكلمات المعاني المقصود منها وربما العكس منها ، والرقعة التي يحملها الطائر لا يصل بها إذ تحرقه حرارتها قبل أن يصل بها ، ولماذا هذا كله ؟ إنها غيرة الحق التي تتألم من توجه العبد إلى ما هو غير الحق وتسد أمامه الطريق لكي يكون عشقه كله موجها إلى الحق ، لقد كانت حياته كلها في الانتظار ، وفي النهاية هزمه هذا الانتظار ، وبلغ مرحلة ما بين العشق المجازى والعشق الحقيقي ، فعندما يفور جسده فهذا هو العشق المجازى ، وعندما تسكن روحه كانت عين الاتحاد بالمحبوب تغلى حارة وعندما يئس تماما من العشق المجازى ووطن نفسه على الاستغناء أطل منه عشق الحق ، وأسرعت إليه القدرة على الاستغناء ، لقد صار مثالا للعاشقين الحقيقيين ومرشدا لهم ، لقد خير العشق المادي ويستطيع أن يهدى من خلاله إلى العشق الحقيقي ، وأغلب الظن هنا أن مولانا جلال الدين يتحدث عن تجربة خاضها بنفسه . ( 4766 - 4782 ) إياك إذن أن تغتر بظاهر الناس ، فرب إنسان لا ينبئ ظاهره عن باطنه ، ومن قائل : إنه لا دخل لهذه الأبيات بقضية العشق ( استعلامى 3 / 428 ) ، لكن الحقيقة هنا مرتبطة بأن كل إنسان عاشق في مرتبة وكيل صدر جهان ، فرب أمرىء حمل في صدره الكثير من الأسرار ولا يستطيع أن يبوح بها لأنه لا يجد من هو أهل لها ( انظر 4733 ) ومن ثم فهو عابس لأنه لا يستطيع أن يبوح بهذه الأسرار ، وهناك أناس يموتون ويحملون معهم هذه الأسرار ، وربما إن سرنا بين القبور تكشف لنا بعض هذه الأسرار ، وتكشف لنا كيف كانوا يسيرون في عالم الغيب ، وإن هذا الاختلاف ليذكر باختلاف الأحياء ألست