جلال الدين الرومي
539
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( يس / 19 ) . . لماذا التطير هنا ؟ لماذا تسمع قول الطبيب وقول المنجم عندما يأمرك بألا تفعل شيئا ؟ لماذا لا تقول له : إنه يتحدث بفأل السوء ؟ مع أن المنجم والطبيب قد يخطئان لكن النبي لا يخطئ أبدا ، ومن هنا ففأل السوء معك أينما تمض تدركه وتراه عيانا ، وحينما يحيق بك شر كفرك وعصيانك سوف تجأر بالصياح لما ذا لم تنبهنى ؟ لقد نبهتك يا هذا كثيرا لكنك قابلت الإحسان بالسوء ، وهكذا طبع اللئام ، فعالج نفسك أولا ، اجعلها مطيعة بالصبر إنها لئيمة فاجعلها تتواءم مع الإحسان ، حتى تعلم العرفان بالجميل ، وحتى لا يكون مصيرك هو مصير الكفار الذين يعاندون حتى إذا ألقى بهم في الجحيم نادوا رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( المؤمنون / 107 ) . ( 2985 - 2999 ) في عنوان الأبيات إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى بعد أن خلق الخليقة ينظر إلى السماء والأرض ويقول لهما : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( فصلت / 11 ) ، فالطيب والشرير في الوجود كلاهما في طاعة الله ، والكافر يجأر إلى الله في ملمات الدنيا وعندما يذوق نار الجحيم ، وعندما يدخل اللص واللئيم السجن يجأران إلى الله بالدعاء والشكوى والجحيم بالنسبة للكافر والمنكر مسجد لأنهما يذكران الله فيه ، وكل من في الوجود يعبد الله عبادة ما وبأسلوب ما ، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات / 56 ) ، وخلقت الخلق لكي أعرف ، ومن الإنسان يتأتى الشر والخير لكن المقصود في الأصل هو العبادة ، لكنك تترك الأصل من خلق الشئ وتنصرف إلى الفرع . كما تتخذ من الكتاب وسادة ، ومن المسمار سيفا ، والله يجعل من عبادة كل إنسان جديرة به وبشخصه ، فالكريم يعبد طوعا ، لكن اللئيم يعبد كرها ،