جلال الدين الرومي

526

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

أفواههم ، وبحيث ضلوا عن منبعها وفي الأبيات بعض ما ورد في تفسير أبى الفتوح الرازي ، « كفروا وقالوا لا نرى لله نعمة علينا ، ولو كانت النعمة منه ، قولوا له أن يأخذها منا » ( ماخذ / 113 ) . ( 2679 - 2690 ) من هنا فصاعدا يطرح مولانا مناقشة قوم سبأ للأنبياء ومن خلالها أيضاً يسوق مولانا الحديث إلى مريديه ، ويدور الحديث هنا عن الروح المريضة التي لا تجد في نفسها ميلا إلى الحق ، والتي طمست النعمة والرفاهية الجسدية طرقها إلى السمو والعلو ، فهي تزهد ما في يدها ، وتتوق إلى ما ليس في يدها مهما كان تافهاً وحقيراً ، فهي من مرضها تظنه عظيماً ، هو الشذوذ إذن الذي تبتلى به النفوس التي عبت من الرفاهية والرخاء ما شاء لها أن تعب حتى لا ينقلب الموت إلى حياة ، إذ لا تجد هذه الروح المريضة شيئاً تدمره فتدمر نفسها . . فكل ما تحصل عليه ينقلب داخلها إلى أداة تدمير ، وكل ما يصل إلى يدها تزهده وتتوق إلى ما وراءه ، هي إذن تلك الحمى التي تنتج من اعتبار المادة هي غاية المنى ومنتهى الأمل ، أترى مولانا كان يستشرف من خلال قصة قوم سبأ ما نشاهده الآن من أمراض في الحضارة الغربية يرى اشبنجلر بفكرة المصير بدلًا من العلية ، إذ إن المصير يعبر عن جزع الروح لما يهدد جوهرها أو كيانها أو تفاعلها ، من أجل إثبات الذات وفي ذلك تعبر عن الحياة ولا يمكن إدراك فكرة المصير إلا بالتجربة الحية فلا يمكن تعرفها بمنطق العلم ، ولا يعبر عن سياق التاريخ في نظر اشبنجلر إلا غير المصير ويسرى على الحضارات ما يسرى على الكائنات العضوية تنبت وتنضج وتذبل وتفنى ، وأهم ما في نظرية اشبنجلر مما ترهص به أفكار مولانا أن القوة الروحية أساس رئيسى من أسس الحضارة وإن للحضارة إمكانات خارجية وإمكانات باطنية وحين تبلغ الحضارة غايتها خارجياً ينضب دمها وتتحجر قواها ، وخريف الحضارة هو فترة مدن باقية وتجارة منتشرة وملكيات مركزية وفيه يبدو انحلال الدين وفقر الحياة الداخلية ، كما أن العقلانية والتنوير علاقاته بظاهره ثم تنحدر الحضارة إلى الشفاء الذي يتمثل في ذبول الإبداع الفنى والذهني وموت الدين وظهور