جلال الدين الرومي
459
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وكما تشبه النفس بالأفعى ، فإن « شمس العراق » هي الشهوة ، إنها تجعل هذا الخفاش الضعيف صقرا ، وما الحل إذن : جهاد النفس مجاهدة الرجال ، وهذا هو الجهاد الأكبر ، فمن المستحيل إذن أن تنتصر في هذه المعرفة دون تضحيات ودون أن تتعرض للأذى ، فهذه هي المعركة الكبرى ، فإذا انتصرت على أعدى أعدائك أي نفسك التي بين جنبيك سهل عليك بعدها القضاء على معظم الأعداء ، هنا تكون الحية طوع بنانك ، كما كانت مع موسى بالرغم من كل ما دبره فرعون ، وهذا من رأى موسى وقوته ، ونور الله الذي يمشى به . ( 1067 - 1095 ) منطق الطغيان ، ففرعون الذي استذل الناس واستبعدهم وأضلهم وادعى الألوهية ، ينقلب فجأة إلى حبيب الشعب « يلوم موسى رسول الله إلى الناس لإنقاذهم من استبعادهم وكفرهم وحياتهم البائسة التي تفضلها حياة الحيوانات ، ويبلغ منطق الطغيان و « استحمار » الخلق مداه عندما ينذر فرعون موسى بأنه لن يتبعه سوى « ظله » وأن نهايته سوف تكون على أيدي « الناس » والذين يسميهم فرعون « الغوغاء » ، وهذا هو كل فرعون في كل عصر ، ويستمر المنطق الفرعونى الذي يرى أن الخلق قد اختاروه ( بنسبة 99 % لا جدال ) ، وأن « موسى » وحده هو الذي يقف ضده ، فهل من المعقول أن يكون موسى أعقل من كل هذا الإجماع « الذي لم يسبق له مثيل » ! وهكذا يرى مولانا أن « الطغيان » هو من أهم أمراض « النفس » بل أخطرها ، لأن صاحب « النفس المريضة » يدمر نفسه فحسب ويبعدها عن الحق ، ويرضى لها بالظلمة ، لكن الطاغية لا يرضيه إلا أن يكفر الناس جميعهم ، وهكذا فتنة الطغيان ، تلك التي لا يحطمها إلا ثبات الإيمان الذي يبديه موسى في هذا الحوار وهو وحيد في مواجهة فرعون إلا من تأييد الله سبحانه وتعالى ، ويطلب فرعون المهلة ، لا ليدبر هو ، فهو عاجز عن التدبير عجزه عن الكلام ، يملؤه الرعب من هذا الفرد وعصاه ،