جلال الدين الرومي

12

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

لأن مرادك فان ومراد الله باق ، فإذا بمرادك كنت متصلا بالفناء ، ولكن إذا خضعت لمراد الله تعالى صرت متصلا بالبقاء ، وكان ذلك أشبه بالقوة التي تشعل كل ما يقع فيها من أشياء ، وحيث إن قوة مراد الله تعالى هي أكبر وأشد من النار ، فالنار تؤثر في الحديد ولا تغير مادته ، لأن الحديد لا يمكنه أن يكون نارا » « 1 » وهذا هو عين ما عبر عنه مولانا فالحديد المذاب يكتسب خاصية النار دون أن يفقد تماما خاصية كونه حديدا ، « فلون الحديد ينمحى في لون النار ، وكأن الحديد في صمته يباهي بناريته - فحين غدا في حمرته مثل ذهب المنجم ، فهو يباهي بدون لسان قائلا : أنا النار - لقد صار مهيبا بلون النار وطبيعتها ، فهو يهتف قائلا : أنا النار أنا النار - إنني أنا النار فإن كنت في شك من ذلك أو ريب ، فلتجرب ولتضع فوقي يدك - إنني أنا النار ، فإن كان لك في ذلك اشتباه ، فضع وجهك فوق وجهي لحظة واحدة - والإنسان حين يقتبس النور من الله ، يكون الجدير بسجود الملائكة ، لأن اللّه اجتباه - وكذلك يكون جديرا بسجود الإنسان ، الذي خلصت روحه من الشك والطغيان مثل الملائكة - وما النار ؟ وما الحديد ؟ ألا فلتغلق شفتيك ولا تهزأ بلحية تشبيه المشبه » « 2 » إنه ليس فناء إذن بل مجرد تحول وتغير وفقدان لصفات واكتساب صفات أخرى . والأمر كله معنوي ، فلا معني هنا للقرب والبعد ، والمعراج ليس دائما إلى أعلى ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلم اعتبر غياب يونس عليه السلام في بطن الحوت معراجا ، ويسوق مولانا هذه الرواية « قال الرسول عليه السلام : إنه ليس لمعراجي فضل علي معراج يونس بن متى - إن كان معراجي علي الفلك وكان معراجه تحت الأرض ، ذلك أن قرب الحق خارج عن الحسب - وليس القرب هو الذهاب إلي أعلى أو إلى أسفل ، إن قرب الحق هو الخلاص من حبس الوجود - فأي مكان

--> ( 1 ) كشف المحجوب - الترجمة العربية ص 293 ( 2 ) كفافي : الكتاب الثاني ص 143