جلال الدين الرومي

404

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

المتداخلة المتناقضة وخلطها . والأفكار التي يسوقها مولانا على أساس ان الوزير قد وضعها ، لا تتصل بالعقائد بقدر ما تتصل بالطريق والعرفان والواقع أن هذا يوحى بأن مولانا كان يقصد بالقصة كلها بيان المرشدين الكاذبين الذين يلبسون الطريق على المريدين ، وأن عيسى والوزير اليهودي الماكر مجرد إطار ، فالوزير يتحدث عن شروط الطريق فهو حينا الجوع والرياضة الصوفية والتوبة والنابة والرجوع ، ثم يعود فيقول في قرطاس : لا ، لا نفع في الرياضة والمهم هو الجود ، وفي مرة ثالثة لا للرياضة ولا الجود ، فإن الرياضه والجود تدخل من العبد ، والتدخل شرك ، بل التوكل والتسليم على أساس أن الله سبحانه وتعالى يقدم ما فيه الخير لعبده ، ثم يقول : التوكل سلبية ، يخلص بها المرء نفسه وينسى غيره بل الأصل في خدمة الخلق ، ثم يأتي في قرطاس فيسقط التكاليف ، ويقول الأصل في الأمر والنهى العلم وليس العمل ، لأن الله يعلم أننا غير قادرين على القيام بها ، فكيف يأمرنا بشئ نعجز عنه ؟ ! ! ثم يقول في قرطاس آخر : لا ، لا ينبغي أن تعتبر نفسك عاجزا لأن في هذا إنكارا لما منحك الله من قدرة ، ويعود في قرطاس فيقول : دعك من العجز والقدرة ، فكل ما يظهر في طريقك صنم ويعود فيقول : النظر هو شمع طريق الوصول إلى الحق ، ثم يقول في قرطاس آخر : أطفىء شمع النظر فيعطيك شمع الروح النور وكل ما تبحث عنه يصلك ، ويقول في قرطاس : تمتع بما خلق الله لك من رزق ، ولا تجعل منه حلالا وحراما ، وتكلف نفسك العنت وفي قرطاس آخر يقول : أُنبذ كل ما قبله طبعك ، وليس معبار قبول الشئ موافقته للطبع ، فهناك أمور كثيرة ميسرة ، لكن عاقبتها عسر ، ولو كان كل ما يسر صحيحا ، لكانت كل أمه على الحق ، ثم ترك الموضوع مفتوحا ، فقال انظر إلى العاقبة وإلى المآل وهكذا ينقض في قرطاس ما قاله في قرطاس آخر ، فيقول في أحدها : لا بد من المرشد ويقول في آخر : بل المرء مرشد نفسه ، وفي قرطاس يقول : كل الأديان والمذاهب دين واحد ، وفي آخر يقول : كيف تكون المائة واحدا ، وكيف تكون المذاهب واحدة ، وفي كل منها ما يخالف الآخر : هل يكون الشئ الواحد سما وتريقا ؟ ثم يفرغ إلى نهاية التلبيس ، دعك منها كلها ، دعك من كل الطرق وكل المذاهب ، هذا هو الطريق الوحيد لكي تشم أريجاً من بستان الوحدة ( وكم تكون النصيحة بالشم مجدية حقا من فاقد للشم ! ! ) .