جلال الدين الرومي

376

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

هذا الدنيا وكأنه ينتمى إلى عالم آخر ، أو هو ظاهر مزدهر متألق نور كأنه الشمس بين الظلال وهو هلال لرقته ونورانية يشاهد وكأنه الخيال ، أو كان الملك كأنه يشاهد باطنه وكأنه الخيال ، ولماذا لا يكون خيالا والأمر أصله رؤيا نوم ، أليست الرؤيا من قبيل الخيال . وأليست الدنيا كلها خيال ، وأغلب الظن أن مولانا يقصد بالخيال هنا الفكر فكان الملك كان يرى الحكيم الغيبيى مجرد فكرة وقد تجسدت أمامه ، وما له الفكر وما له الخيال ؟ ! أليس من هذه الأفكار تكون حربهم ومنها تكون صلحهم وسلامهم ، ثم إن هذه الخيالات هي فخاخ الأولياء : إن الولي من هذه الخيالات والأفكار التي يستوحيها من بستان الله ( العالم المجرد غير المحسوس ) ، يزين لمريديه الطريقة ، ويحضهم عليها ، ويرغبهم فيما عند الله من جمال مطلق وسرور دائم ، وهي فخاخ للأولياء أنفسهم لأنها قد تصد الأولياء فرحا بها وسرورا منها عن طلب الحقيقة نفسها فيستغرقون في مجرد تصور لذة القرب ، وذلك الذي كان يراه ذلك الملك ( الولي ) مجردا ، تجلى في وجود هذا الضيف القادم من عالم الغيب ، ومن ثم فسرعان ما تعارفا وتألفا واتصلا واتحدا . فكلاهما ينتمى إلى بحر واحد ، والأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف ، إذن كانت الجارية مجرد سبب ، مجرد رؤية ، مجرد حجاب ، وكان المقصود كله هذا العشق وليس العشق الأرضي ، عشق الولي ، عشق الجارية مجاز ، والمجاز قنطرة الحقيقة يفضى إليها ، وكان كبار الصوفية لا يردون مريديهم عن عشق احدى الجميلات ، لتعلم العشق عموما . ويصور الملك علاقته بهذا الولي بعلاقة عمر رضى اللّه عنه بالمصطفى صلى اللّه عليه وسلّم ، كان عمر رضى اللّه عنه فاتحا عظيما وصلت الدولة في عهده أقصى اتساعها وهزم الفرس والروم . لكن هذا كله لأنه كان يدور حول محور المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم ، إن روح هذا الملك متصلة بذلك الولي متحدة بها ، فأرواح أسد الله متحدة ، وليست كأرواح الذئاب والكلاب ( أليست رقم 414 من الكتاب الرابع وعن الفكرة كلها بتفصيلاتها انظر الأبيات 406 - 418 من نفس الكتاب وشروحها ) . ( 78 - 79 ) : هذا الأدب الذي أبداه الملك في لقاء الولي وتواضعه له برغم ملوكيته واعترافه بأن هذا الولي هو الملك الحقيقي ، لأن هناك فرقا بين الملوكية على الأجساد والملوكية على الأرواح ، يورد على خاطر مولانا أهمية الأدب في الطريق ، فإن لم يكن ثم أدب من المريد تجاه الشيخ ، فان