جلال الدين الرومي

370

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

الدنيا ، مع أن الإنسان إن حيزت له الدنيا بأجمعها فلن يستطيع أن يستفيد منها أكثر ما يطيقه وجوده ، بل يتمتع المحروم من متع الدنيا بأقل قدر يصله منها ، ويكون الحريص عليها كأتون النار في حاجة دائما إلى حطب يغذيه ، وإن نهل من متعها ، فإن هذه المتع تدمره ، فكأنه يسرع خلف حتفه . أنظر كم يستوعب الإناء من ماء البحر ؟ ! هل يستوعب أكثر من سعته الفعلية وطاقته ؟ ! ومن ثم لا تمتلئ عين الحريص ، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب والدر لا يتكون في الصدفة إلا إذا قنعت هذه الصدفة ، وانغلقت على أقل القليل مما يدخلها ( كان القدماء يعتقدون أن الدر يتكون في الصدفة عندما تسقط قطرة ماء عذبه من المطر فتنغلق عليها الصدفة . ولسعدى الشيرازي في البستان رواية عن تحول قطرة المطر العذبة إلى درة داخل الصدفة ، حين تواضعت لما رأت سعة البحر وحقارتها : ( كليات سعدى : ص 309 / ط 2 ، تهران ، انتشارات جاويدان 1351 ه . ش ) . والعلاج الوحيد لحرص الدنيا أن تكون عاشقا ، فإن العشق هو الذي يمزق ثياب المادة ثوبا بعد ثوب ، فيخرج العاشق من أدرانها مرحلة بعد مرحلة ، فكما مزق ثوبا من الأثواب المادية ، أبدل خيرا منه ثوبا من أثواب الروحانية حتى يبرأ من العيوب ، وإلحاق ياء التنكير بكلمة عشق تشير إلى أن مولانا يريد أن يقول أن عشق المرء لشئ ما يعميه ويصمه عما سوى هذا الشئ ، فينصرف إليه بكليته ، ولا يكون له هم سواه ، فلا حرص له على شئ غيره ، ولا اهتمام له بما هو دونه ، والعشق عند مولانا هو سبب الحياة وحافظها . . . وهو الذي يمنع نظرة مولانا إلى الكون والخليقة من التبدد والتفسخ إلى أشلاء ( أنظر مقدمة الترجمة العربية للكتاب الثالث من المثنوى لكاتب هذه السطور ) ويخاطب مولانا العشق : أيها العشق المرتبط بالجذبة الإلهية ، لتسعد ، فإنك الطبيب الذي تعالج كل عللنا وأمراض نفوسنا وأدران بشريتنا وما يشدنا دوما إلى الحضيض ، فكأنك بالنسبة لنا طبيب لا يستعصى عليه مرض من أمثال جالينوس وأفلاطون ، قال