جلال الدين الرومي
366
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
عن الحقيقة ، وحالت بينها وبين المعرفة ، وأخرتها عن المشاهدة ، فعاشق الصورة تفشى أنات الناى أسرار عشقه ، وعاشق الحقيقة ترفع انغام الناى الحجب عن عينيه حتى يدركها . ومن ثم فأنين الناى بمثابة السم لمن لا يعانون ألم الشوق وبمثابة الترياق لعشاق الحقيقة ، فلا يزال أولئك الذين لا يعانون ألم الشوق إلى الحقيقة يحسون بمذاق السم إن حدثتهم عما هم منغمسون فيه من حب للدنيا ولزوم للجسد ( والنصيحة سم ) . . . كما أن نفوسهم قد ترق لحظة لسماع أنين الناى ، مثلما كان بعض الكفار يدمعون رقة وحشية وحنينا عندما يستمعون إلى القرآن الكريم ، ثم تتغلب عليهم نفوسهم وانغماسهم فيما هم فيه ، ويغلب عليهم كفرهم فإذا بهم يحسون بطعم السم ( والحق مر ) . . . لكن عند أهل الباطل ، ومن ثم فالناى قرين ومشتاق ، ويفسر جعفري ( 1 / 18 ) هذا التضاد بأنه قرين لكل انسان ومشتاق لتوصيله إلى الحضرة العليا وهذا التفسير لا يعطى المعنى فلا بد أن يكون قرينا ومشتاقا في نفس الوقت ، ومن ثم فالأغلب أن الناى في هذا البيت رمز للروح فهي قرينة لكل جسد ، وفي نفس الوقت تشتاق إلى الحضرة العليا ، وهي قرينة للحضرة العليا وسر من أسرارها لكنها مشتاقة إليها ( من الغريب أن الشراح كلهم يسكتون عن هذه الشطرة ! ! ) وقد يكون فيما ذكره جعفري فيما بعد نقلا عن ابن سينا ( جعفري 1 / 21 ) بعض ما يلقى الضوء على هذا المعنى « ولروح الانسان وجهتان : وجهة ناحية الأعلى وناحية موطنها وموضعها ، ووجهة نحو هذه الدنيا . وقوة فعلها نحو هذه الدنيا ، وقوة إدراكها صوب الأعلى . . . وفي الدار الآخرة » . ( 13 - 16 ) : فمن ينبؤك إذن سوى الناى عن الطريق الدموي الملىء بالمشقة ، والذي قطعته الروح منذ منزلها الأول ، وطريق العشاق الذي لا فلاح فيه إلا ببذل الروح ، ولا مرتبة فيه لعاشق قبل أن يبذل روحه ، والذي يمتلئ بأمثال المجنون من العشاق الذين بذلوا كل شئ في طريق العشق ولمولانا إشارة في ديوان شمس :