جلال الدين الرومي
363
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
الآلام المبرحة التي نتجت عن مفارقة الموطن ومعاناة الغربة ؟ ! إن هذه هي الطبيعة ، فكل إنسان يحن إلى أصله ويترقب انتهاء غربته ، هذه إشارة إلى مبدأ النفس ومنتهاها ( مولوى 1 / 18 ) المهم أن يعرف المرء أصله - أين كان ومن أين جاء وكيف أصبح ، فمبدأ البحث عن الأصل هو معرفة هذا الأصل ، والمثنوى كتاب يأخذ بيد المرء إلى مراحل خلقه ، ويحمله إلى منازل رحلته الطويلة من الجمادية إلى النباتية إلى الإنسانية ثم إلى ما لا يحده وهم ولا يحيط به فهم ، وإلى المبدأ يكون المعاد ، ومبدأ الخلق ومعادهم الواحد الأحد ، و « إنا إليه راجعون » ، هكذا يغنى أرغنون الروح . والأمر كله كدائرة مفروضة متوهمة على كرة ( انقروى 1 / 31 ) و ، وليس هذا الأمر خاصاً بالعارفين والصادقين فحسب ، فالاشقياء والسعداء يعانون هذا الشوق ، والأشقياء أكثر حزنا وإن لم يشعروا ، ومن ثم يقدمهم مولانا عن السعداء ، فمن عرف المبدأ سهل عليه المعاد ، ومن لم يعرفه أحاط به الشقاء وسقط من النجاد إلى الوهاد وتفرقت به السبل ، فهم يظنون الوصل وهم في فصل ، والقرب وهم في بعد ، وكل مقيم على ظنه « كل حزب بما لديهم فرحون » ، قال ابن عطاء : قدم الظالم لئلا ييأس من فضله ، لأنه لم يكن له شئ يتكل عليه إلا ربه ، وأخر المعتقد ليعلمه أن المنة لله عليه ( مولوى / 1 - 19 ) ، وهكذا فكل أمرؤ يظن أنه قد صار رفيقا لي ، وهذا مجرد ظن ، والظن لا يغنى عن العلم شيئاً ، تراه يستطيع أن يدعى هذا الادعاء وهو لا يبحث عن أسرارى ، وهل يظن أنه من الممكن أن يصل إلى الحقيقة دون بحث ودون سلوك للطرق المهولة ، ودون جهاد يهون دونه أي جهاد ؟ ! هذا وان كان سرى ليس ببعيد عن نواحي وأنينى ، لكني لا زلت أؤكد أن هذا الأمر أمر إدراك السر ليس في مقدور أي انسان ، فلا بد لأذنه وعينه من هذا النور الذي يمكنه من إدراك السر ، فان هناك كثيرا من الناس لهم آذان لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ، والله هو الواهب للبصيرة والإدراك والفهم ، وأنظر هل يفهم كثير من الناس ما يقال لهم