ابن سبعين
75
رسائل ابن سبعين
الفقر ويحتاج إلى مصانعة وسواس الحاجة ؟ وبعد هذا كله النبيه هو الذي لا يقنع من اللّه بجميع أفعاله ، ولا يطلب منه إلا الذي يحمل منها إلى الذات ويعين اللذات الصادرة عنه . آه آه آه آه يا فاقد ، بل يا حائد عن الفائد ، لا يخدعك وهم عادة نفسك الآخذة عن نفوس الأغبياء الأشقياء ، أو المقيمة معهم على ما هم بسبيله أو المتشبهة بهم إذا فقدت الهمم الشريفة الحق المطلوب ، يقول لسان حالها : يا حزناه بما حزناه ! ومما يظهر لبعض الضعفاء الصلحاء أنهم استقاموا على الطريقة وزوج القصد لهم بين الشريعة والحقيقة . والدليل على غلطهم في الحق أنهم إذا فتح عليهم بوجه ما يظنون أنه الطريق على الإطلاق ، وأن الأمر ما بقي منه إلا نصيب الأحوال فقط . ومن غلطهم إذا فتح لأحدهم في شيء يشبه بالمضمار لا شيء يظنون باب اللّه . أعوذ باللّه من همة تقف ، بل أعوذ باللّه من عقل يقنع ، بل أعوذ باللّه من زمان فرد لا يحصل فيه مالا يأخذه الحصر في مدة الأبد المفروضة على معقول الكلي منه حتى يستشهد في ذلك بالحديث ويقول : « من رزق من باب فليلزمه » « 1 » ، ومراد الحديث غير فهم هذا . وذلك أن الباب الذي يتوحد هو باب الافتقار الذي يصرف العبد إلى ساحته ، وهو ثابت ومنه يدخل على جميع الأبواب . وهو بالجملة واحد في مقامه عند العلماء والعبّاد ، وعند المحقق من أنواع نهاية صراطه الأول الجنسي . وأما أبواب اللّه المفتوحة فلا نهاية لها ، لأن مواطنها لواحق القدرة الإلهية والفيض الإلهي والإمكان المطلق ، ومفاتحها تخصيصه أو طريق تخصيصه . فباب من أجل مفتاح ، ومفتاح من أجل باب . وبالجملة : أبواب مواهبه لا نهاية لها ، وباب الرجوع إليه واحد . وعلى هذا تفهم توبة النبي عليه السّلام بحسب رأي ما ، فإنه كان يبدأ بتأمل جلال الملكوت العام ثم الخاص ، ثم الجبروت ، ثم الحد ، ثم المطلع ؛ ثم يتبحر ، ثم يقف ، ثم يكون ما شاء اللّه . فإذا فرغت تلك المادة الخبرية أو العلمية أو الحالية أو الوقفية أو الوجودية أو ما شاء اللّه لمن رضي اللّه عنه ، يعود إلى المنعم حال نعمته يطلب منه نعمة أخرى بحالة أخرى في معنى آخر من ذات واحدة .
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 2 / 89 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 296 ) .