ابن سبعين

72

رسائل ابن سبعين

المحصول الذي هو الفساد . وليس ينفع المتغافل معرفته بما تغافل عنه إذا لم يستعمل فيه ما يجب ، ولا يضر العاقل جهله بما لم يعلم إذا لم يعمل فيه ما يجب ، لأنهما قد اتفقا في الإضاعة ، وتباينا في العلم والجهل . وعليك بالهمة الجليلة التي هي سوق لا يتبدل إما العمر كله وإما في أكثر الزمان إلى الشيء الذي هو وكل الإنسان أن يفعله في حياته والخسيسة بضد ذلك . وبالجملة : إن كان الشيء الذي تطلبه الهمة جليلا قيل في الهمة إنها جليلة ، وإن كان خسيسا قيل في الهمة إنها خسيسة . وعليك بالسيرة الجميلة التي هي الأفعال المحمودة التي يدور الإنسان عليها في حياته ويجعل وكده أن يفعلها ويتخلق بها ويعامل بها ذاته وغيره ، ويجعلها مقدمته لمقاصده الكريمة . وعليك بالصناعة الرئيسة التي هي رئيسة على الإطلاق ، وهي التي تعرف أي الصناعات والعلوم ينبغي أن تكون في المدن ، وأي الصناعات والعلوم ينبغي أن يبلغ المتعلم [ اكتسابها ] باكتساب الشيء الذي يسمى خيرا . واعلم أنه لا بدّ لكل متوجه ولكل سعيد أو شقي أو غافل أو متغافل أو عالم أو جاهل من خير ما يتشوق إليه في شأنه الذي هو فيه ويطلبه ، ولكنه لا يطلق الخير حقيقة ، ولا يعقل إلا في الخير الذي هو سبب السعادة توجد عنده أو به أو معه أو فيه أو منه ، أو إليه ، أو عليه ، أو عنه ، أو له ، ويطلع على لزوم الشرط والمشروط ، مثال ذلك : الحياة شرط في العقل ، والعقل شرط في العلم ، والعلم شرط في العمل الصالح ، والعمل الصالح شرط في الفضل ، والفضل شرط في السعادة ، والسعادة شرط في الكمال ، والكمال شرط في الخير ، والخير شرطه وأصله التخصيص ، ولواحقه كثيرة هيئية وطبيعية بل العناية الإلهية خاصة . وأنواع الخير ثلاثة : أحدها : الشيء الذي يراد لأجل ذاته ولا يراد في وقت من الأوقات لأجل غيره . الثاني : الذي يراد ويؤثر أبدا لأجل غيره ولا يؤثر أصلا ولا يراد في وقت من الأوقات لأجل ذاته مثل الأشياء المؤذية المؤلمة كشرب الدواء المر الشنيع الطعم الكريه الرائحة ، فإن هذه شرور بذواتها ، وخير بالإضافة إلى الانتفاع بها . والثالث : من هذه الأشياء هو الخير بالإطلاق ، فعليك به وبما بعده . والذي حملني على إفشاء هذا السر الذي لا يظفر به في كتاب ولا سمع في معتاد خطاب ما ظهر في زماننا هذا من آراء فاسدة وأحوال سيئة ، وقلة استقامة في بعض الفقراء وعدم الإنصاف في بعض الطلبة وسوء ظن العامة في الجميع مع غيره من المشار إليه ويشاور ويشار إليه ، ويعول على اللّه لا عليه .