ابن سبعين
71
رسائل ابن سبعين
حكمة رابعة وعشرون : ويقال : الفقر هو الذي لا يطلب به إلا اللّه وإن طلب لذاته أعني الفقر ن مطلقا لا خير فيه . حكمة خامسة وعشرون : ويقال : الفقر إذا تصفّح وتؤمل وتتبع على أكمل ما يمكن قيل للفقير المتصف به فقير كما سمي اللديغ سليما ، ويعتبر شأنه ولفظه بالعكس . وهذا الفقر أعزك اللّه وأعانك على تحصيله بحبيبك الأول الذي لا يكون متحركا ولا ساكنا وهو ليس بجسم ولا في جسم وهو واحد من كل الجهات ووحدته بالذات ، وبحبيبك الثاني الذي لا يكون متحركا ولا ساكنا وليس بجسم ولا في جسم ولكنه يقال فيه : إنه مع غيره المفارق لا مرتكزا ولا مربوطا ولا مستندا ولا ملتحما ولا حالا . وهو بالجملة لا متصلا معه ولا منفصلا عنه غير أنه يلازمه ملازمة النوع للعنصر والفاعل للمفعول ويشار إليه معه صحبة المجموع الإنساني مع أنه مفارق ومن قبيل المفارق . وخلصك اللّه من حبيب ضدك وموضوعك وروحك وأوحله وأكرمك اللّه بتحصيل أسباب السعادة بصلاح المادة والعبادة وحفظك في شأنك كله . حتى لا « ترفل في أثواب اللاهي ولا تغفل عن ثواب اللّه » ، فطالعه واحفظه وحافظ عليه وحصّل مدلوله بالقول والعقل والحال والمقدمة والنتيجة والمسألة والجواب ، ولا تبخل به ولا تمنعه عن أهله ولا تسمح في ذم فرعه وأصله وخاصة فصله . ولولا أنك محسوب عليّ ومنسوب بمعناه إلى ما أسعفتك به ، ولا قيدت لك فيه إلا ما يجمل بك وبأمثالك وأهل وقتك وشرطي عليك ألا يقف عليه أحد إلا الطلبة النبهاء والفقراء الفضلاء المحبون الأولياء ، ولا يقرأه من المذكورين إلا من يتصفحه إلى آخره . وإن علم منه أنه ينكره يؤخذ من يده ، وإن توقع الضرر من لسانه وقلبه ويده ومن صعب عليه منه شيء يرحل به إليّ . وإن عسرت حركته أو تعذرت يرجع به إلي ، ونجيبه في الوقت بحول اللّه تعالى . والاستقامة هي رأس العمل مع العلم ، وزوال الكسل والملل . واعلم أن الشقي هو الذي ذهب شبابه بلذته ، وارتهنه بتبعته ، وخلف له التأسف عليه ، والسعيد هو الذي علم أن أيام الحياة حلم ، والموت يقظة ، وفي الحساب تفسير أضغاثه . فجد واجتهد وكره دار الفواسق حيث الظل والذل والأبعاد الثلاث واللهو واللعب ولواحق اللهب ، وتوجه إلى الحضرة السنية التي تبت بجحودها يدا أبى لهب . وإياك والغفلة والتغافل فإنهما يستلان الخير ويخصصان السر . والغافل والمتغافل واحد ، لأن الغافل تؤديه غفلته إلى الفساد ، والمغفل يؤديه تغفيله إلى الفساد ، فقد اتفقا في