ابن سبعين

460

رسائل ابن سبعين

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صلى اللّه على سيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما وله رضي اللّه عنه رسالة : قال : إن تجذبني عنايتك ، فما أبعدني عن باب حضرتك ومشاهدتك ، وما أيسر الأمر منك ، وما أقربه ! وما أبعده من جهتي وما أصعبه ! العمل لا يوصل إليك ، والشيء لا يدل عليك ، الشيء محصور في مشيته ، والمستدل محصور في قالب صورته ، من لم تنظر إليه بعين المحبة ، ما أعظم حجابه ، وأظلم قلبه ، ما تنزلت الرحمة على عبد إلا قام به روح الحيا ، ولا أشرق نور المشاهدة في قلب الأعمى عن السّوى . ما دام القلب مستغرق مشاهدتك فلا ورد ولا وراد ، من التفت عن اللّه واشتغل بما سواه خسر خسرانا مبينا ، وباء بسخط من اللّه ، ونار الحجاب مأواه ، لا ينكشف سر التوحيد لعبد هو مع نفسه ، ولا يشهد الحق حقّا ما دام باقيا مع حسه ، من لم يكن له في سابق العلم حظ منك وتكرمه ، فما أبعده من السعادة الأبدية ، وما أحرمه ! من لم تكن أنت مواجهه وواجهته ، ما أعظم عناءه ، وأطول حيرته ! من لم يكشف له عن سر فأبطن فيه ، لم يهتد إلى الحق في شيء ، ودام في الحيرة والتيه مطموس البصيرة فاقد النور مريض القلب لا شيء يشفيه . من لم تتعرف له بسر المعارف ما أجهله ! من لم تمده بالأنوار ، ما أعماه عنك وأغفله ، من لم تفتح له عين بصيرته فما أعماه عن إشراق شمس حقيقته ! من لم ينل منك في السابقة حظه ونصيبه ، فما أشد بالحجاب إبعاده وتعذيبه ! ما تجليت لقلب إلا امتلأ بالأنوار ، ولا تعرفت له إلا انجلت له الحقائق وانكشفت له الأسرار ، إذا أتى العبد الممدود فلا يقدر على صرفه عنه أحد ، من لم تمدّه بالعناية فالشيطان بالخذلان يمده ، من لم تؤيده وتنصره ، فالشيطان عن طرقات الخير يقطعه ويضره ، من أحبّ نفسه دام تعسه وشقاؤه ، من أحب اللّه طابت حياته ودام بقاؤه . من نظر إلى الأكوان بعين الاعتبار ظهرت له الحقائق ، وانكشف له الأسرار ، من لم يطلب بمطلوبه من وجوده لم يظفر به لتيهه عن المقصود وشرود ، معرفة اللّه متعلقة بمعرفة النفس ، فمن لم يعرف نفسه لم يعرف ربه ، والقرب من اللّه مناوىء للقرب من الخلق ، فمن لم يباين الخلق لم يشهد من اللّه قربه ، من وقع في وجوده على الكنز ، وحدّ من نسخة شكله أشكال الرمز ، فقد نال الغني وظفر بالسعادة والعز . الدليل والمستدل صدق عليهما وصف الحدوث والعدم والمدلول عليه قائم به وصفا الوحدانية والقدم ، فالدليل بوصف حدوثه منقطع ، والمستدل بغير شكله كلما تقدم رجع ، فلا نسبة ولا علاقة ، إذ الوجود