ابن سبعين
461
رسائل ابن سبعين
الحقيقي يمحو الوجود المجازي إطلاقه . اهرب من المحاسن إليه ، وإياك أن تفتن بها فكثير فتن بها وحجب ، ولا تغتر بما لديك وما حصل لك من القرب ، فكم من قريب بعد وسلب ، لا تركن إلا إليه ولا تعتمد إلا عليه ، ولا يقر لك قرار إلا بين يديه ، اجعل الحق أمامك في كل شيء ترشد فيه إلى الصواب ، واقصده في كل ما تقصد يفتح لك الأبواب ، لا تقصد غير للّه فتضل ، ولا تطلب من غيره فتحرم وتتعب وتكل . ما نطق بالحكمة جاهل ، ولا جهل الحكمة عاقل ، وما نطق بالحقيقة إلا عارف ، ولا جهل الحقيقة إلا محجوب مع الحس واقف ، ما تجلي الحق لغير قلب طاهر ، ولا برز السر لغير قلب باللّه عامر ، من دام في الأعمال دامت له السعادة ، ومن اعترف بالشكر استوجب الزيادة ، من خرج عن العادة بلغ من المطلوب مراده ، من نظر الناس بعين زمانهم استفاد علمه ، فالزمان سر مظهره ، أعطى فيهم حكمه ، الزمان يشبه أهله ، إن الحكمة بالمظهر تعطي كلا فعله ، فأفعالهم تجري على حكم الاسم القائم في زمانهم المتجلي بصور أعمالهم ، فلا زمان يشبه زمانا لاختلاف مظاهر الأسماء ، وإن كانت الأسماء بالجود قائمة ؛ لأن الأسماء محيطة محاطة مهيمنة بعضها على بعض في دوائرها ، محكومة حاكمة . لا تهتمّ بغير مالك ، لا تغتر بغير مالك فيه نفع وزيادة ، ولا تنحط بهمتك إلى حضيض السخط عن الترقي إلى مرتبة العز والسيادة ، لا تكن من اتخذ الهمة هواه ، وعبد شيطانه واستحكم عليه وتولاه ، فأصبح لا مولى له ، قد طبع بطابع الشقاء على قلبه فأعماه ، لا تشغل القلب بالأسف على ما فات ، وقم على قدم الاجتهاد والاستعداد لما هو آت ، فاللّه تعالى يقول : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] . لا تستبطئ في دعائك من اللّه الإجابة ، فهو الذي أمرك بالدعاء والطلب منه ليعطيك ، ومن كرمه فتح للطالبين بابه ، الزم الباب ولا تيأس فالرءوف رحيم ، وامدد إليه يد افتقارك بالذل والمسكنة فهو الغني الكريم . لا تهرب بالذنب منه واهرب بالذنب إليه ، فإلى أين تذهب وإليه ويرجع الأمر كله ؟ لا تعلّق بغيره ، ولا تركن إلى سواه ، ف كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، الخلق كلهم فقراء إليه طالبون منه ، فكيف تطلب أنت منهم ، والكل موتى لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا ، فكيف لا ترحل إليه عنهم ؟ ! لو أشهدك سعة رحمته وتلاشي ذنوب الخلق في سعة هذه الرحمة ، وأحضرك حضرات اسمه الودود الرؤوف الرحيم ؛ لرأيت حقائق هذه الأسماء تقرّب المبعود ، وتعطي المحروم ، وتؤمّن الخائف ، قائمة حاكمة بهذه الأحكام بالحكمة . إذا رأيت الخلق معرضين عنك مقبلين عليك بالمذمّة فهو لأحد أمرين : إمّا بلاء ومحنة ، أو نعمة من اللّه عليك ورحمة ؛ فالبلاء والمحنة ميلك إليهم ، وعرض أعمالهم عليهم ، وشغلك