ابن سبعين

430

رسائل ابن سبعين

المقدمات ، وإحضار الذهن في معانيها ولزومها مفردة ومركبة . والحس والتخيل يكفي فيهما أمران وهما ينتجهما حصول المحسوس أول التخيل بحيث يمكن إحساسه وتخيله فيهما على ما هو به عليه ، وفي هذه المقدمة المذكورة الوقوف على اليقين في أنواع العلم بالمنعم الأول ؛ لأنه أكثر فيضا من المنعم الغريب ، وأنه هو بوجه ما ، والعلم بأن كل آنية متقدمة على هوية ما بعدها ، وهي في المبادئ الأول ، فهي إمّا أعلى من الدهر وقبله ومعه ، وإمّا بعده وفوق الزمان والعلم بأن كل نفس شريفة أجزاء ماهيتها ثلاثة : أولها يعرف بالنفساني ، وثانيها العقلي ، وثالثها إلهي ، وهذا في فعلها المختلط المضاف المحمول فيها بوجه ما ، والعلم بأن الأشياء المخترعة المبدعة بالكون المنسوب اللازم بالبد الذاهب بالماهية المنفعلة ، أولها الآنية التي ليس وراءها مبدع آخر ؛ لأنها فوق الحس وفوق النفس وفوق العقل ، ولا يمكن أن يوجد بعد الأول الحق أوسع متعلقات ، ولا أكثر معلومات منها ، والعلم بأن ذات الرحمن الرحيم الكريم العظيم اللّه الذي لا إله إلا هو أعلى من الصفة وأعز ، والألسن عاجزة عن صفته المقدسة ، فإنها أعظم من أن أكثر من الذي يجب لها ، وتتنزه عن أن يعلم قدر كنها أحد ، وتحل أن تحد بحد الذي هي عليه . فإذا المقتصد في الثناء عليها والمطفف والمقصر والجميع على خطر ؛ لأنها فوق كل آنية وفوق كل علّة ، وإنما وصفت بالذات التي تنير بذاتها وتنير معلولها ، وهي لا تستنير به ، ولا بنور أخر ؛ لأنها هي النور المحض الذي ليس فوقه نور ؛ ولهذا قيل في ذات الأول الحق إنها الذات التي تفوق كل ذات ، وهي التي يفوتها إطلاق الصفة على ما يعلم الأشعري ، وغيره من الضعفاء ، وإنما كان ذلك ؛ لأنه ليس فوقها ذات تعرف بها ، وكل شيء إنما يعرف بوصف من تلقاء علّته ، فإذا كان الشيء علّة فقط ، وليس بمعلول لم يعلم بعلّة أولى ، ولا يوصف كما يصفه المتكلمون ؛ لأنه أعلى من صفة تبلغه المنطق ، وأن تلك الصفة إنما تكون بالمنطق ، والمنطق بالعقل ، والعقل بالفكر ، والفكر بالوهم ، والوهم بالحس . والأول الحق فوق الأشياء كلها ، والعلم بأن العقل جوهر لا يتجزأ ، والعلم بأن كل عقل يعلم ما فوقه وما تحته إلا أنه يعلم ما تحته ؛ لأنه علّة له ، ويعلم ما فوقه ؛ لأنه يستفيد منه الوجود والفضائل ، والعلم بأن كل عقل لا يثبت ، ولا يمكن فيه الخير إلا باللّه ، والعلم بأن قوة العقل وجوهره وماهية كماله أشد وحدانية من الذي بعده ، والعلم بأن كل عقل لا شيء فيه خارج عن النظام القديم ، وأنه مملوء صورا ، وأن من المعقول ما يتصل بمكان شرفه أن يحيط بالبعض الذي هو أقل كلية ، ومنها ما يحيط بأكثر كلية ، والعلم بأن العقل