ابن سبعين
429
رسائل ابن سبعين
ولم يذكر أهل الصغائر ؛ لكونها معفوّا عنها ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « خيرت في الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة ، فاخترت الشفاعة فإنها أشفي » « 1 » . واحذر أن تعتقد أن التائب من ذنب ما وهو يفعل غيره أنه غير تائب من الذنوب المذكورة حتى يقلع عن الجميع ، فتكون من المعتزلة ، وأنت لا تعلم ، وإياك أن تتوهم أن ذلك أكمل ، ويحملك على ذلك نوعك السخيف ، وتتخيل أن ذلك من الاحتياط فتهلك ، ومذهب أكثر المعتزلة أن الكبيرة الواحدة تحط ثواب جميع الطاعات وإن كثرت ، ومنهم من قال : الكبائر لا تهمل ثواب الحسنات إلا إذا زادت كميتها عليها ، والحسنات كذلك بعكس هذا ، إذا زادت دارت السيئات ، وأظنه مذهب الجبائي وابنه ، واحذر أن يختلط عليك نظام الكبائر مع الصغائر ، ويصعب عليك الفصل بينهما . وتقول : كل ما يعصى اللّه به كبيرة ، وتطلق ذلك من غير أن تعتبره فتشفي ، وإنما المرضي عند أهل السنة في ذلك أن يبين بين المذنب الكبير والصغير ، ثم يطلق من حيث مخالفته الأمر ، ومحاربة اللّه ، أن الجملة كبائر بالنظر إلى الأدب ، ومتعلق كل ذنب مفهوم عند التحصيل ، ومن الحدود الشرعية والعقاب تظهر فصولها ، ومن الناس من عددها وفصلها أعني : الكبائر من الصغائر ، ومنهم من أضرب عن ذلك ، وجعلها متماثلة أدبا مع اللّه تعالى . واحذر أن تعتقد في المذنب الذي يذنب الذنب الواحد ولم يرشد للتوبة أن عمله لا خير فيه ، وإن مات فهو في النار ، ويستوجب الخلود فتكون من الخوارج ، وإن سميت المؤمن باقتراب الزلات كافرا فأنت منهم ، وقد قال بعض الخوارج : ما هو الكفر المعروف بإنكار الربوبية وجحودها ، وإنما هو المأخوذ من كفران النعم . والأزارقة منهم تقول : العاصي كافر باللّه كفر شرك ، وأكثر المعتزلة قسمت الذنوب إلى كبائر وصغائر ، واحذر أن تعتقد في الثواب والعقاب غير الذي يعتقده أهل الحق صحيحا على غاية الصحة ، وقوة الإدراك وطريقتها أيضا ، وإن كانا صحيحين على غاية الصحة قد يؤديان إلى الخطأ إذا لم تزل عنهما العوارض التي لها ، فإن هذا القياس القائل إن كل قابل بذاته أنه حجر ، فهو قابل أنه جوهر ، وكل قابل أنه جوهر فهو صادق ؛ فينتج من ذلك أن كل قابل له أنه حجر فهو صادق ، فقد أدى ذلك إلى كذب ظاهر على أن نظم القياس صحيح ، ومقدمتاه صادقتان ؛ لأن التأمل من جميع الجهات في مدة القياس وهي
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 627 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1441 ) .