ابن سبعين
412
رسائل ابن سبعين
آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [ الأنعام : 158 ] ؛ فأخبر اللّه تعالى أن الإيمان لا ينفع ، ولا كسب الخير معه ينفع إذا ظهر بعض آيات اللّه المؤذنة بانقراض الدنيا . فصل : صح عند صحيح النظر أن التوبة قبل الدّهر ومعه وتحته ، وفوق الزمان ومعه وتحته ، والثابت كذلك ، والمحرك الغريب لهما قبل الدهر ، والمحرك البعيد قبل القريب لها ، والمتقدم عليه بالفصل والسبب ، والطبع والذي فطر الأمور بالجميع ، وأبدع التوبة والدهر ، والزمان المحرك القريب والبعيد والتقديم والتأخير والفوق والتحت والقبل والبعد ، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الحديد : 3 ] ، هو اللّه الذي لا أول لوجوده ، ولا يمكن أن يكون بينه وبين مفعوله واسطة لا روحانية ولا جسمانية إلا فعله ، وهي مع هذا عرضية لا تفعل ، ولا هي ضرورية الفعل القديم في مفعوله . وقد قام البرهان عند المسلم أن العوائد ارتباط موجود بموجود من غير قضية شرعية ولا عقلية ، فافهمني يا أيها المكلف ، وتعلق بالقديم ، وبما في النظام القديم ، ونادم بذلك الذي لا يفارقك من صفة نفسه ، ولا تفارقه من صفة نفسك ، فإن الفاعل يلازم مفعوله والمفعول يلازم فاعله ، ولكنه إن شاء يعدمك لأعدمك ، وتكن كما كنت ، وأنت في تعلقه لا ذات لك إلا أنك موجود في علمه ، وإن شاء يتركك على حالك بخلاف قول الفيلسوف ؛ ولذلك ذكرت هذا التنبيه فتنبه له ، وإياك والغفلة عن اللّه ، فإن اللّه هو المحبوب الأعظم ، والنديم الحق الأكرم والقريب ، وكل أنواع القرب التي يثبت التنزيه معها والبعيد بمخالفته ، وبالجهل خاصة ، وهو الحاضر في حضورك قبل كونك ، وهو معلومك وعالمك وعلمك قبل كونك ومعه ، فافهم . واجعل العبودية لازمة لك ، والغيرية كذلك إرفعهما ، ويكون زمان وجودهما في وقت الأمور الشرعية ، وزمان إعدامهما في الحقيقة . هذا إن فعل هذا معك ، فافهم . وقل : يا هذا تحض على دخول الماء ، ثم تأمر الداخل فيه ألا يبل ثوبه وشخصه ؟ إن هذا عجيب السلب والإيجاب معا ، يا هذا ، أنا الغريق فما خوفي من البلل ، ولكنا نعبد اللّه ، ونتمثل أوامره ، وكل شيء بقضاء وقدر ، والعارف من عرف اللّه على قدر . يا هذا ، الوجود المطلق هو اللّه ، والمقيد أنا وأنت ، والمقدر جميع ما يقع في المستقبل ، والمطلق إذا ذكر نفسه ذكر كل شيء ، والمقيد إذا ذكر نفسه ذكر لا شيء عادلا ذاكرا ولا مذكورا ، والمقدر مثل المقيد بآخر أمره ، فالمقدر لا شيء ، وأنت وأنا لا شيء ، فإذا أنا تائب عن الغفلة التي حملتني على قولي ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه بعده ، ثم على قولي