ابن سبعين
413
رسائل ابن سبعين
ما هو أقرب من هذا وهو : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه معه ، ثم على قولي وهو قولي : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ، وإنّا الآن نقول : هو هو هو ، ثم نقول : هو ونصمت ، ثم نشير ، ثم نقطعها ، ثم لا ، ثم إلا الحق المحض ، ثم لا إله إلا اللّه . ثم نتوب من استصحاب هذا في المواطن المذكورة قبل ، أعني : الشريعة حيث يجب التكليف ، فإن الأحوال السنية إذا كانت متصلة الاستصحاب منهلّة السحاب يخاف على اتصالها أن ينقطع ، وعلى سحابها أن يخف ، وهذا قول صناعي ، وللعاقل أن يقول فيه للمتكلم به : يا هذا ، إن كنت من القوم الذين سلكوا هذا المسلك فقد يعتبر قولك بعد ما يرشح بقوله عز وجلّ : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] « 1 » .
--> ( 1 ) قال الشيخ الباني : واعلم أن القرب ، والبعد ليس إلا في الحجاب . وأمّا الحقيقة فلا قرب فيها ولا بعد ، فاللّه تعالى لا يرومه قرب ؛ لأنه لو كان هكذا لكان القرب سببا لشهوده ، وليس كذلك ، بل هو مناف لشهوده لكونه وصفا ثبوتيا مع أن إثبات القرب له تعالى فيه شرك كما لا يخفى ، والشرك وإثبات شيء معه ينافي الشهود ؛ لأن حصوله عند اضمحلال الرسوم والقرب منها ، وكما أنه لا يرومه قرب كذلك لا ينتهي إليه وجود ؛ لأن المنتهي للوجود مغاير له ، والمغايرة تقتضي الإثنينية وهي منافية للشهود ؛ لأن نور شهود الجبار يفني جميع الأغيار ، فإن قيل : هذا مخالف للنص حيث قال اللّه تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] ، وغير ذلك مما ذكرنا ، فالقرب الإلهي لا خفاء به قلنا : ثبوت القرب الإلهي لا يتحقق إلا في مقام الفرق ؛ لأنه القابل المتعدد والرسوم ، والقرب رسمي كما عرفت ويحتاج إلى الاثنين أي : العبد والحق بخلاف الجمع والمحو فإن فيه وحدة صرفة لا قرب ولا متقرب ولا متقرب إليه ، فلا يلاحظ القرب إلا في الحجاب وأدناه أن ترى آثار نظرك إليه تعالى في كلّ شيء بأن يكون نظرك إليه تعالى أغلب عليك من معرفتك ذلك الشيء ، وأقدم منها فلا ترى شيئا إلا وترى الحق قبله رؤية ناشئة من رؤيتك ذلك الشيء ، وهو أدنى مراتب مقام القرب فهو أنت ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله أي : قبل معرفة ذلك الشيء ، ومنهم من يقول : بعده ومنهم من يقول : معه ، ومنهم من يقول : ما رأيت شيئا غيره . ولا يعرف القرب إلا بالوجود أي : بوجود الأحوالات السنية ، والمواجيد الربانية يعرف حصول القرب له لا بالبعد ؛ لأن المتأخر لا يكون سببا للمتقدم ، والبعد متأخر عن القرب ؛ لأن معرفته سابقة عن معرفة البعد ؛ لأنه إذا وجد السالك التجلّي العرفاني تجدد له حال أشرف من الحال الذي كان عليه قبل التجلّي فيعلم أن هذا الذي كان عليه قبل هو البعد بما حصل له من القرب ، فعلى هذا البعد يعرف بالقرب ، والقرب يعرف بالوجود لا بالبعد ، وبه صرّح صاحب المواقف في المواقف . وأمّا القرب الذي يعرفه الحق ، أي المطلق عن الحصر فهو له تعالى ليس للعبد دخل فيه ؛ لأن قربه محصور إمّا في مرتبة أو مراتب ، فالعبد لا يعرف قربه تعالى ولا بعده ولا وصفه كما هو وصفه ؛