ابن سبعين
411
رسائل ابن سبعين
فقال : « من تاب قبل موته بسنة قبل اللّه توبته » « 1 » ، ثم قال : ألا وإن ذلك لكثير ، من تاب قبل موته بنصف سنة قبل اللّه توبته ، ثم قال : ألا وإن ذلك لكثير ، من تاب قبل موته بشهر قبل اللّه توبته ، ثم قال : ألا وإن ذلك الشهر لكثير ، من تاب قبل موته بجمعة قبل اللّه توبته ، ثم قال : ألا وإن ذلك لكثير ، من تاب قبل موته بيوم قبل اللّه توبته ، ثم قال : ألا وإن ذلك لكثير ، « من تاب قبل أن يغرغر تاب اللّه عليه ، ثم تلا قوله تعالى : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [ النساء : 17 ] » « 2 » ، وكل ما قبل الموت قريب . والمراد أن يكون في صحته وعقله الهيولاني على حاله لم يتغير ، وموضوعها كما كان ، والاتصال لم يفترق ، وأن تكون الصورة الروحانية التي تظهر عند التجرد لم يختلط نظام تصورها في الذهن ، فإنها تكون هناك على ضروب : فمنها ما هو صادق ، وهو ذاتي الذات ، ومنها ما هو كاذب ، وهو عرضي الذات ، وسعادة الإنسان في هذا الموطن على حاشيتي النقيض ، واقفة تشاهد عاقبتها ، وتشاهد شقاوتها أو سعادتها حتى يخرج للوجود ما شاء اللّه منها ، فإذا شعرت النفس بتركها بتدبير البدن ، وبالانسلاخ عنه ، ورجوع الأشياء إلى مواضعها يحدث الاضطراب والتبدل في عالمها الصغير ، وتقوم قيامتها الصغرى قبل القيامة الكبرى . فاعلم ذلك ، واترك الأقوال القاصرة عن المراد ، الفاسدة في العمل والاعتقاد ، وحسّن الظن بربك العظيم ، واجعل الخوف والاحترام الشرعي ، والأدب مع اللّه ورسوله وملائكته في يمينك وعقلك ، وخبر نفسك ومرادها في شمالك ، والقبض والبسط بينهما ، والرجاء حولهما ، والإذن على الجميع ، وما وجدت في غير الذي في يمينك من زيادة اعرضه على الذي في يمينك ، فإن قبلها اقبله ، وإن دفعها ادفعه ، واللّه هو المعين على ذلك . فصل : اللّه نصب الأدلة على المعرفة ، وفرع التكليف للتعبدات ، وأوعد تعالى بذلك على ألسنة الرسل فآخرهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فبشر به وأمر ونهى ، وأنذر ووعد وأوعد ، وألزم والتزم ، وسبق في علم اللّه وحكمه أن الخلق يتباعدون عن القول ، ويتعامون عن الدليل ، ففسح لهم في المهل ، وأرخى لهم الطوال ، وأعلمهم بإقالة العثرة لمن كبا ، وبقبول التوبة لمن خالف وأبى ، وجعل مدة قبول الإجابة ، وصحة التوبة مدة الدنيا ، وهو عمر الإنسان فيها ، فقال تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ
--> ( 1 ) رواه النسائي في الكبرى ( 6 / 344 ) ، وأحمد ( 2 / 206 ) . ( 2 ) رواه الترمذي ( 5 / 547 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1420 ) .