ابن سبعين

403

رسائل ابن سبعين

والشكر أخص ، والثناء يتعلق بالأسماء الأربعة : اسم الذات ، واسم الصفات ، واسم التنزيه ، واسم الفعل ، والشكر لا يتعلق إلا بالأفعال خاصة . والرضوان هو المطلوب بعد رؤية الحق سبحانه ، وهو الذي يفيد السعادة ، ويحفظها وينميها ، والرضوان هو ماهية النعيم ، وهو المحرك لكل أمن وعافية ، وهو المتقدم على ما ذكر ، ثم نظر إلى الكريم الأعظم ، وحقق نظره في فصل ، وصحح ما يجب له ويجوز عليه ويستحيل في حقه ، ثم نظر إلى الحبيب المقرب المقبول الشفيع المشفع « 1 » ، ثم نظر إلى حبه في أمته ، ورحمته لهم ، وهمته فيهم ، وغيرته عليهم ، واعتنائه بهم ، وحسن ظنه بربه ، وشأنه عنده ، ثم نظر إلى شرف الإيمان ، وفضيلة كلمة الإخلاص ، وعظم شأنها ، ثم نظر إلى قولها عند الخاتمة ، ثم نظر إلى حب المصرّ العاصي في اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى توكله على

--> ( 1 ) وقال النسفي أيضا : وإذا ثبت جواز المغفرة لصاحب الكبيرة جاز أن يغفر بشفاعة الأنبياء والرسل عليهم السلام ، وبشفاعة الأخيار . وعند المعتزلة : لما كانت مغفرتها ممتنعة بدون الشفاعة لن يتصور مغفرتها بالشفاعة ، ثم ابتداء الدليل لنا في المسألة قوله تعالى : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [ المدثر : 48 ] ، ولو كان لا شفاعة لغير الكافرين لم يكن لتخصيص الكافرين بالذكر في حال تقبيح أمرهم معنى . وروي على طريق استفاضة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » ، وهذا الحديث يبطل تأويل المعتزلة ما ورد من الشفاعة أنها للمطيعين ، وهي أن يطلب الرسل والملائكة عليهم السلام من اللّه تعالى أن يزيدهم على ما استحقوا من الثواب من فضله بقوله تعالى : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ فاطر : 30 ] ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم نص أن شفاعته لأهل الكبائر من أمته ، ولأن ما ذكروا يسمى إعانة لا شفاعة ، بل هي في المتعارف اسم لطلب التجاوز ، فصرفها عن المفهوم إلى ما لا يفهم دخوله تحت الاسم تحريف الكلم عن مواضعه ، ولأن تلك الزيادة عندهم إذا لم تكن مستحقة بالعمل يجب تنغيص نعم الجنة إذ من زعمهم أن التفضل يوجب المنة ، وهي تنغص النعمة ، وليست الجنة بدار تنغص فيها النعم ، ولأن إعطاء تلك الزيادة لو كان عندهم جائزا بدون الشفاعة لكان لا يجوز منعها ، لأن منع ما يجوز إعطاؤه من غير أن يكون للمانع فيه منفعة أو دفع مضرة ، وينتفع به المعطى بخل عندهم ، وطلب ما لا يجوز منعه طلب الامتناع عن الظلم والجور والسفه ، ومن ظن أن الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين صلوات اللّه عليهم أجمعين يسألون من اللّه تعالى ما هذا سبيله فهو كافر ، وباللّه التوفيق ، ولا تعلق لهم بقوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] ، لأن المؤمن بما معه من الإيمان والطاعات مرتضى ، وإن وجدت منه كبيرة وقيل : معناه لا يشفعون إلا لمن ارتضى اللّه تعالى الشفاعة له ، فلم زعمتم أن اللّه تعالى لا يرتضي بشفاعة صاحب الكبيرة ، ولا تعلق لهم أيضا بقوله تعالى : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] ، لأن الظالم المطلق هو الكافر على ما مرّ ، واللّه الموفق .