ابن سبعين
404
رسائل ابن سبعين
شفاعة المختار صلّى اللّه عليه وسلم . ثم نظر إلى خلاف العلماء ، ثم نظر إلى آيات الرجاء ، ثم نظر إلى عزة التوحيد ، ثم إعاد نظره في الكريم والكرم المطلق ، أطلق القول بعد تقرير ذلك كله في خلده أن المؤمن باللّه في الجنة على كل حال ، وقال : صح أن الرحمة هي الفاعلة ، ولها يرجع ولا يعتبر العمل معها ، وبها يدخل الكل الجنة ، فإن اللّه لا يجب عليه شيء ، وإذا قلنا هذا دخل بعمله ، وهذا أعطي على علمه الصالح الدرجات السنية ، وهذا جوزي بعمله ، وهذا من الأبرار ، وهذا من المقربين ، إنما قصدنا بهذا القول كله القصد الشرعي . وأمّا القصد العقلي : رحمة اللّه هي الفاعلة ، وهي العامة ، وهي مهيأة للخير ، وهي جاءت بالخير ، وهي عصمت من الشر ، وهي حفظت ، وهي هدت ، وهي أرشدت ، وهي هو ولا شيء مثلها ، ثم غلب عموم الرضوان ، وإحسان المنعم ، وجاه الشفيع ، وشرف التوحيد ، وعجز الموحد ، والعذاب الذي ناله أقام الحق في أول خط الرجاء ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في آخره ، والمذنب في وسطه ، وتأمل اضطراره ، ورحمة الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، ووسيلة المشفع الشفيع فيه ، ويتمكن من هذا كله على أتم ما يمكن ، وأنس نفسه ، واشتد فرحه ، وأفرط فيه غرض حمد المنة ، وربما سكر فقال : وحق رضى اللّه ، وإحسانه وجاه الشفيع وشرف التوحيد وقدر الموحد ، ما أحكام أمة أحمد في القيامة إلا على ضروب : فمن رجل يدخل الجنة ، ولا يدخل النار ، ويشفع في عدد كثير ، وآخر دونه ، وآخر فوقه ، وآخر يدخلها بعد السؤال ، وآخر يدخلها برحمة اللّه تعالى ، وإن كان مثل من ذكر من المصرّين ، وأخر يدخلها بالشفاعة قبل النار ، وآخر يدخلها بالشفاعة بعد النار ، والمؤمن لا يشقى ، والإنسان المؤمن قد يكون من الأشقياء بالقوة ، ومن السعداء بالفعل ، وبالعكس يا هذا . وقد كشف القناع في ذلك حديث الشفاعة في كيفية المذنبين ، ومراتب إخراجهم من النار عموما . وورد في الحديث الصحيح خصوصا ، واللفظ لمسلم ، قال أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن رجلا ممن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ، فسأل عن أعلم أهل الأرض ، قال : فدلّ على راهب فأتاه ، فقال له : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا ، فهل له من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله فكمّل به المائة ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدلّ على رجل عالم ، قال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ، انطلق لي أرض كذا وكذا ، فإن بها ناسا يعبدون اللّه فاعبد اللّه معهم ، ولا ترجع إلى أرضك