ابن سبعين
402
رسائل ابن سبعين
من نظر إلى الرضوان الذي يطلق مع الرحمة بترادف ، وإن كان أعم منها ، ويطلق المغفرة والعفو بتشكيك ، وهو الجنس العالي للجميع ، وهو المقول على كثيرين إذا اعتبر الإحسان وأنواعه ، وهو مع ما سواه من أنواع الفصل كالثناء مع الشكر ، فإن الثناء أعم
--> قالوا : « إن الأمة اتفقوا على تسميته فاسقا ، حتى سمته أهل السنة مؤمنا فاسقا ، وسمته الخوارج كافرا ، والكافر فاسق » . وقالوا : « نحن سميناه أيضا فاسقا ؛ واختلفوا في تسميته مؤمنا وكافرا ومنافقا حتى سمته أهل السنة مؤمنا وسمته أهل السنة مؤمنا وسمته الخوارج كافرا وسماه الحسن البصري منافقا ، فأخذنا بما اتفقوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه » . وشبهتهم في حكمه استدلالاتهم بقوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها [ السجدة : 20 ] ، غير أن مرتكب الصغيرة صار مخصوصا عن هذا النص بنص آخر وهو قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] ، فبقي صاحب الكبيرة داخلا تحت النص ، وقال الأستاذ المؤلف ناصر الشريعة : وحجتنا ما ذكرنا ولا حجة للخصوم في الآيات لأن مطلق اسم العصيان إنما يقع على الكفر وكذلك مطلق اسم الفسق لأن غير الكافر عاص من وجه مطيع من وجه في ما ارتكب من محظور دينه ، مطيع في الإقرار بوحدانية ربه تعالى ، وكذا هو فاسق من وجه ، مطيع من وجه ، فاسق في ما اقترف من الذنب بخروجه عن الائتمار بأمر ربه ، مطيع في الائتمار بأمر ربه في تصديق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بما جاء به ، فلا يتناوله مطلق اسم الفاسق وباللّه الهداية . وكذا أجمعوا أن لا منزلة بين الإيمان والكفر ، فمن أثبت المنزلة فقد خالف الأمة ، والآخذ بما هو مخالف للإجماع جهل فاحش . وقولهم : « أخذنا ما اتفقوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه » ، هذا كلام باطل ، إذ هو ترك للمخالفة على زعمهم بحقيقة ما هو للمخالفة ، فإن الأمة قبل نحلتهم كانوا على ثلاثة أقوال ، فقد كان ذلك منهم إجماعا على أن ما وراءها قول باطل منهم ؛ إذا أحدثوا قولا رابعا فقد خالفوا الإجماع . ثم قال الأستاذ المؤلف : وخرجت على ما ذكرنا مسألة إثبات الشفاعة لأنه مغفرة صاحب الكبيرة ، لما كانت جائزة عندنا جاز أن يغفر بشفاعة نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغيرهم من الأخيار . وعند المعتزلة لما كانت مغفرتهم غير جائزة وكانت الشفاعة ممتنعة عندهم وحملوا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » على طلب الزيادة للأبرار ، وهو أن يشفع لهم حتى يعطيهم اللّه تعالى زيادة على ما وعدهم من الأجر كما قال اللّه تعالى لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ فاطر : 30 ] ، والكبيرة اسم لأمر عظيم فجاز أن يقع على المعصية وعلى غير المعصية . قال الأستاذ المؤلف : وهذا التأويل فاسد لأن الكبيرة اسم للمعصية في عرف أهل اللسان ، فيكون في هذا التأويل إبطال لتنصيص صاحب الشرع ، وإنه فاسد وباللّه المعونة .