ابن سبعين
373
رسائل ابن سبعين
ودائرة حوله ، وما سمع من ملة متقدمة ، ولا نقل عنها مثل الذي ظهر في هذه الملة من أنواع الفضائل ؛ لأن علوم شريعتهم أحكمت الطرق إليها ، وأسبابها البعيدة والقريبة ، وكل علوم الدول ، ثم كل النّحل والملل إليهم دفعته الأيام والعناية الإلهية ، فكانوا على بينة من المتقدم . والذي أظهرته الكلمة المحمدية ثالثة أفئدتهم ، فكانوا بمجموع ذلك أفضل البرية عن خير البرية لرب البرية ، إلا علوم القرآن ، وعلوم الحديث ، فإنه لم يتعرض أحد من علماء الملة إلى الفرض المطلوب بها ، ولا حصل عليه ، ولا وقف على لازم الأسلوب ، ولا على شيء منه بالجملة . وقد يمكن ذلك بفضل اللّه ، فإن فضل اللّه المودع في خزائن عنايته بالملة الحنيفية يظهر ذلك كله بقدر أفضل ، وأي علم تقدم فقد علم فيها إلا ما كان من النبوءة الأولى قبل الطوفان ، إلا علوم السفر « 1 » ، وعلوم المطالب المقدسة ، فهو فيها بالقوة ، ولا بد في أيام العالم من ظهور نبذها المبذولة فيها ، وأقرب الأشياء في الظهور علوم السرين : الطبيعي والإلهي ، ثم علم ما هو بعد الطبيعة ، ولا يمر بك من الزمان إلا القليل ، وقد عرفت ذلك غير أنه يطلق على الخواص فقط ؛ لأن السنة الأمينة عينته كذلك ، أعني : العناية الربانية تحفظ الأسرار بالجملة . ولا بد من الرجل المطلوب بالفطرة الثانية ، فإذا عزمت على لقاء الرجال فاذكر اللّه ربهم في نفسك ، ثم لا تسأل على غيره ، فأول شيء تراه رجاله ، ثم ملائكته ، ثم جواهر الفضائل بالقصد الثاني ، واطلب مدركات النوم في اليقظة ، والعلم دون النظر ، والقدرة بغير عضوها ، وأول الوقت يقوم به إلى اللّه فما يكون فقط ، ولكل وقت صلوات ، وفي عقبهما ما عينه الشارع صلّى اللّه عليه وسلّم فقط ، إلا إنه يبالغ في التكرار والترتيب إلا إن جاء ما يرد عن ذلك ما هو ألزم . فإذا صليت الصبح ، وعنده تدبيرك ، عندك تقرأ أوائل السور التي فيها الحروف « 2 »
--> ( 1 ) السفر عند الصوفية : عبارة عن القلب عند أخذه في التوجه ، بتصحيح معاملات وتعديل أحوال ، تسفر عن النفس المرتقية في مناهج كمالاتها سفاسف الأخلاق ويحليها بمعرفة مكامن القواطع ، وموارد القطعيات من المراتب الكونية ، والحضرات الحقية إلى الحق تعالى بالذكر . والذكر هنا : إحضار القلب مذكوره ، ومواجهته إياه ، واستمراره على ذلك إلى حد تنطمس فيه موارد الذهول والنسيان . ( 2 ) قال سيدي علي وفا في المسامع : الحروف كلها مركبة الصور في إسميتها ، وأجزاؤها أجنحتها وهي