ابن سبعين
26
رسائل ابن سبعين
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] يعني فليس بهالك . وهؤلاء يفتقروا لقيام القيامة ليسمعوا نداء الباري : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] ، بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا ، ولم يفهموا من معنى قوله : اللّه أكبر أنه أكبر من غيره حاش اللّه إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه ، بل ليس لغيره رتبة المعية ، بل رتبة التبعية ، بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليه ، فالوجود وجهه فقط ، فمحال أن يكون أكبر من وجهه ، بل معناه أكبر من أن يقال له أكبر بمعنى الإضافة والمقايسة ، وأكبر أن يدرك غيره كنه كبريائه نبيا كان أو ملكا بل لا يعرف كنهه إلا هو تعالى . الثالثة : أهلها بعد ما عرجوا إلى سماء الحقيقة ، ولم يروا في الوجود تحقيقا إلا الواحد الحق وأفعاله ، لكن منهم من كان له هذا الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذلك ذوقا حاليا ، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية استغرقوا في الفردانية المحضة واستلبت فيها عقولهم ، فصاروا كالمبهوتين فيها ، ولم يبق فيهم متسع لذكر غير اللّه ، ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يكن عندهم إلا اللّه ، فسكروا سكرا وقع دون سلطان عقولهم ، فقال أحدهم : أنا الحق . وقال الآخر : سبحاني ما أعظم شأني « 1 » . وقال الآخر : ما في الجبة إلا اللّه . وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى ، فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في الأرض عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد ، بل يشبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه : أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا . وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء ، بل فناء الفناء لأنه فني عن نفسه ، وفني عن فنائه ، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ، ولا بعدم شعوره بنفسه ، ولو شعر بعدم شعوره كان قد شعر بنفسه وتسمى هذه الحالة بالنسبة إلى المستغرق بها بلسان المجاز اتحادا وبلسان الحقيقة توحيدا وانظر : « مشكاة الأنوار » لأبي حامد الغزالي ، و « شرح الإحياء » للشيخ مرتضى الزبيدي في أول نصفه الثاني وفي مبحث السماع . وفي « لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام » للقاشاني بعد ما ذكر فيه الاتحاد وأنه يطلق ويراد به عدة معاني ما نصه : ومنها أن يراد بالاتحاد جميع الموجودات في الوجود الواحد من غير أن يلزم من ذلك ما يظن من انقلاب الحقائق أو حلول شيء في شيء ، بل
--> ( 1 ) انظر : روضة الحبور ومعدن السرور لابن الأطعاني ( ص 80 ) بتحقيقنا .