ابن سبعين
27
رسائل ابن سبعين
المراد من ذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه لا حقيقة له إلا بالحق سبحانه بمعنى أن الوجود الذي صار به كل موجود موجودا إنما هو الوجود الواجب ، وهذا منكر عند أرباب العقول المحجوبة بظلمة الأكوان ، فإنهم لا يشاهدون وجهه تعالى في الأشياء لوقوفهم معها ، وإلى وحدة الوجود المشترك بين جميع الماهيات المتكثرة أشار الأكابر بقولهم الوحدة للوجود والكثرة للعلم أي للمعلومات فإنها هي التي كثرت الوجود الواحد المظهر لها بها انتهى منه بلفظه . وفيها أيضا ما نصه : وحدة الوجود ، يعني به عدم انقسامه إلى الواجب والممكن وذلك أن الوجود عند هذه الطائفة ليس ما يفهمه أرباب العلوم النظرية من المتكلمين والفلاسفة ، فإن أكثرهم يعتقد أن الوجود عرض ، بل الوجود الذي ظنوا عرضيته هو ما به تحقق حقيقة كل موجود ، وذلك لا يصح أن يكون أمره غير الحق عز شأنه انتهى المراد منه بلفظه أيضا . وقال السعد في شرح المقاصد بعد أن أبطل الحلول والاتحاد ما نصه : وها هنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء . الأول : السالك إذا انتهى سلوكه إلى اللّه ، وفي اللّه استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا اللّه ، وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد ، وإليه يشير الحديث الإلهى : « فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به « 1 » » . وحينئذ فربما صدرت منه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال ، وتعذر الكشف عنه بالمقال ، ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ، ونعترف بأن طريق غيرنا فيه العيان دون البرهان . الثاني : إن الواجب هو الوجود المطلق وهو واحد لا كثرة فيه أصلا وإنما الكثرة في الإضافات والتعينات التي هي بمنزلة الخيالات والسراب إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على الظاهر لا بطريق المخالطة والانضمام ويتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام ولا حلول هنا ولا اتحاد لعدم الاثنينية والغيرية انتهى على نقل شارح الإحياء واللّه أعلم . انتهى . قلت : مسألة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود قد كثر فيها الكلام من العالم
--> ( 1 ) سبق تخريجه .