ابن سبعين
25
رسائل ابن سبعين
وفيها ثلاث مراتب لأنه : 1 - إما أن يكون مستندا إلى السماع ممن حسن فيه الاعتقاد بسبب كثرة ثناء الخلق عليه كالعلماء والأولياء . 2 - أو إلى أمارة يظنها العامي دليلا كالقرائن الشاهدة له . 3 - أو غير مستند إلى شيء أصلا كأن يسمع القول فيناسب طبعه وأخلاقه فيبادر إلى التصديق به لمجرد موافقته لطبعه . وهذه أضعف التصديقات لأنه فيما قبله استند إلى دليل ما وإن كان ضعيفا . المرتبة الثانية : مرتبة إيمان المتكلمين وهو الإيمان الممزوج بنوع من الاستدلال وفيها أيضا ثلاث مراتب لأنه : 1 - إما أن يكون حاصلا بالبرهان المحرر المستقصي لشروطه بأصوله ومقدماته . 2 - أو بالأدلة الرسمية الكلامية المبنية على أمور مسلمة مصدق بها لاشتهارها بين أكابر العلماء وشناعة إنكارها . 3 - أو بالأدلة الخطابية التي جرت العادة باستعمالها في المحاورات والمخاطبات الجارية في العادات . المرتبة الثالثة : مرتبة إيمان العارفين ، وهو المشاهد بنور اليقين وفيها أيضا ثلاث مراتب . الأولى : مشاهدة أن الوجود كله للّه وأنه لا شريك له فيه أصلا لأن كل ما سواه إذا اعتبرت ذاته فهو من حيث ذاته لا وجود له بل وجوده مستعار من غيره ، ولا قوام لوجود المستعار بنفسه بل بغيره ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض فإذا انكشفت هذه الحقيقة للعبد بنور اليقين علم أن الوجود كله له تعالى لا مزاحم له فيه أصلا وأن نسبته لغيره مجاز لا حقيقة . الثانية : ترقى أصلها من حضيض المجاز إلى ارتفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا اللّه وأن كل شيء هالك إلا وجهه أزلا وأبدا لا يتصور فيه إلا ذلك لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات لأن كل ما سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم صرف ، وإذا اعتبرت من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول فهو موجود لا من وجهه وذاته ، بل من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود هو وجه اللّه فقط وحينئذ فلكل شيء وجهان وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه فهو باعتبار وجه نفسه عدم ، وباعتبار وجه ربه موجود ، فإذا لا موجود إلا اللّه ووجهه كما قال :