ابن سبعين

114

رسائل ابن سبعين

يكون إلا بقدر المعرفة به ، والطاعة له ، ومعرفته لا تكون إلا بالجوهر الملكي المفارق ، إذ الجسم لا يعلم ؛ لأنه ميت بالطبع . والعمل الصالح هو أخلاق الذوات المجردة ، إذ الخير هو طبيعتها ، فتوحيد اللّه هو ذاتها ، والسعادة في التوحيد ، والعمل الصالح ، والخير المحض ، والسعادة والكمال في الذات المجردة بالذات ، فافهم الشريعة على هذا الوجه ، وتكون من السعداء الصوفية الجلّة . وكذلك يقال للأشعري ، إذ هو يعتقد في سعادة الإنسان ما يعتقده الفقيه لأنها عنده في حكم الإمكان ، ومحتملة النقيض ، وبعد الموت يتعين منها ما شاء اللّه ، فيقال له : جميع ما اعتقدته في اللّه ، وكونه ليس بجسم ، ولا في جسم ومنزّه عن طرء الأعراض الجسمانية عليه ، وإنه يعلم لا في زمان ، ولا في حاسة جميع ذلك هو الذي يقال على جوهر الإنسان . ولمّا كان الإنسان جوهرا ملكيّا مفارقا كان عارفا باللّه بالذات ، وتحت ربه من كل الجهات ، ومشاهدا له على الدوام ، وكامل العبودية له بالذات . فلمّا غمرته الطبيعة في الأمور المحسوسة بمشاركة الأجسام احتاج إلى الحواس ، وآلة البدن ، فجاء التوجه ، وخطاب الشريعة ، كأنه يصرفه إلى عالمه ، فيجد كماله في ذاته وجوهره صفه نفس ذلك الجوهر ، وتلك الذوات . وافهم ذلك من قوله تعالى : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 28 ] . ومن قوله : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ الأنبياء : 104 ] . ومن قوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [ الواقعة : 62 ] . هل هذا إلا إشارة للمبدع الأول الذي خلق في أحسن تقويم بمعرفة خالقه وباريه ، ومشاهدة جلاله والنظر إلى وحدته ، ثم رجع أسفل السافلين بمشاركة المواد وتدبير الأجسام ، ثم يرد إلى جوهره الأول بالإيمان والعمل الصالح ؟ فالكمال الإنساني : هو اتصال الإنسان بمبدئه الأول حيث هو رضوان اللّه وتوحيده ومشاهدته بالذات . ويقال للفيلسوف : أنت تتكلم في الكمال الإنساني ، وتعمل عليه وتزعم إنه يحصل بتجرد الجوهر عن عالم الطبيعة ، والاتصال بالعقل الفعال على قولة الحكيم أرسطو بالجوهر ، وإلى الكلي بالعلم ، وأن سعادة الإنسان في القرب من اللّه ، والعقل أقرب

--> انظر رشح الزلال تأليف الشيخ عبد الرزاق القاشاني ، تحقيق الدكتور عاصم الكيالي ، نشر دار الكتب العلمية ص 218 وما يليها .