ابن سبعين

115

رسائل ابن سبعين

الموجودات إليه ، فالسعادة في الاتصال بالعقل ، وإن العقل جوهر روحاني غير مركب ، وما ليس بمركب لا يفنى ، فالعقل لا يفنى ، وإن الروحاني لا يدخل تحت الزمان ، وما لا يدخل لا يتغير ؛ فالعقل لا يتغير . وإن النعيم والسعادة والكمال في الثبوت ، وعدم التبدل ، وإدراك الأشياء ، ومطالعة الأزل ، وهذا كله في العقل من صفة نفسه ، فالاتصال بالعقل هو الكمال الإنساني ، وإن شرف العقل وكماله من ذاته ، وإن الإنسان لا يصل إليه حتى يقطع ما بينه وبينه من الرتب ، وإن كل رتبة ضرورية في تحصيل ما فوقها ؛ فتجد كمالا داخله النقص وسعادة مشوبة بالشقاوة ، فإنك تتعب في قطع المراتب ، وتجتهد في تحصيلها وتحصيل ما بعدها ، وتشقى بحولك وقوتك . وتصل بعد ذلك كله إلى جوهرك الذي أنت به إنسان ، وإلى ذاتك الذي كنت بها في أول التوجه ، كأنك حصّلت بعد الجهد ما كان حاصلا ، وطلبت القريب بالبعيد ، وبحثت عن الضروري بالدليل ، وحجبت الظاهر الجلي بالتعليل ، ويحك ! كيف تتوجه إلى عقول الأفلاك ، وعقلك مثلها ، وجعلت المثل يفتقر إلى مثله ، والجواهر المفارقة فضلت بعضها على بعض ، وجعلت الفضيلة ذاتية للجوهر ، وأنه استحق ذلك بحسب رتبته ، وكيف ذلك ، وجواهرها واحدة في الاضطرار ، والاضطرار الموجود في كل واحد منها هو الموجود في الأخر ، وما عدم من كل منها عدم في الأخر ، وهي واحدة في وحدتها التي لا تنقسم ، وكونها روحانية لا تركيب فيها ، وهي متساوية في ذلك ؟ فكيف يفتقر المثل إلى مثله من كل الجهات ، والذي عدم منه عدم من مثله ، والذي هو موجود في مثله هو موجود في ذاته هو ؟ فعليك بجوهرك الذي تبحث به عن غيره ، وابحث به عنه ، واطلب الشرف والكمال من الواحد الحق الذي قال : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 52 ] ، ثم هداه إلى نصيبه الموجود في النظام القديم . واعلم أن جوهرك يأخذ نصيبه من اللّه كما يأخذه العقل الكلي والفعال وغيره ، وأن كلمة اللّه هي المفيضة على كل جوهر ، وهي المقوّمة والمتممة لكل موجود ، روحانيّا كان أو جسمانيّا ، وأن اللّه لا واسطة بينه وبين مفعوله ، وأن أمره هو الذي ينزل في السماوات والأرض فعليك به ، ولا تهلك نفسك في ذل الوسائط ، وتطلب القريب من كل الجهات من البعيد ، فجميع ما أنت تصل إليه ، وتتوجه بعوالمك الروحانيّة والجسمانيّة إليه هو مثلك . وتخبر بالوصول ، وقطع المراتب ، وأنت لم تنفصل عنك ، وتفرح بخبر متوهم .