ابن سبعين
107
رسائل ابن سبعين
والسرور هو الفرح بالشيء ، كما تقول : سررت بتحصيل المائة دينار ، أو تقول : سررت بفهم المسألة ، أو سررت بفهم الكتاب ، أو سررت بورود فلان أو بكلامه ، معناه : فرحت أو تلذذت أو تأنست ، وقد يطلق الأنس واللذة والسرور والفرح بترادف ، وقد يطلق بتشكيك . وأمّا الصدور : فهو بروز الشيء من الشيء ، وكأنه ظهور قضية في محل لم تكن فيه قبل ذلك ، وظهور قضية من محل كانت فيه بالقوة ، كما تقول : صدر من فلان فعل مذموم ، أو صدرت من فلان صفة حسنة ، أو صدرت من فلان معاملة جميلة ، بمعنى ظهرت منه ، ووصلني منه خير ، أو صدر لي منه إحسان ، أو صادرني خيره بمعنى قابلني خيره . فالصادر : هو الفاعل الذي صدر منه الفعل ، والصدور : هو الفعل الذي برز منه ، والمصدر المفعول به ، فكأنه يقول : ما من شيء تأتيه ويكون مطلوبا محبوبا لك ، ويسرك إتيانه وتحصيله ، وتفرح به ، وما من شيء يصدر بمعنى يصلك من الأمور الملائمة له ؛ وتسر به وتفرح ، إلا وبعده كدر يحزنك ويسوؤك ويؤلمك . والكدر : هو العكر الذي يزيل صفاء الماء ، كما تقول : هذا ماء مكدّر معناه معكّر ، وكأنها إشابة تعكر الشيء ، وتخرجه عن طبيعته المعتدلة ، وتزيله عن صفائه ، وتركب بساطته ، فإن صفاء القلب هو عدم إشابته ، واعتدال مزاجه ، وإقامته ، فهي ماهية السرور فإذا تنكّد تغيّر مزاجه ، ودخلته الإشابة ، وتعكر طبعه ، فالتكدّر هو التغيّر والإشابة والنكد ، وقد يطلق الكدر والنكد والألم والتغيّر بترادف ، وقد يطلق بتشكيك . فكأنّ مضمون هذا الكلام يشير إلى تبدّل أحوال الإنسان في الدنيا ، ولقلة ثبوتها ، ولصورة ذهاب لذاتها ، وكونها تنال في وقت دون وقت ، وتنقطع في كل حين ، وتذهب جملتها بالموت . فأراد أن ينبه الغافل على ذلك ، وحضّه على الزهد في الخير الموقت المنقطع ، وأن يصرف همته إلى الخير الذاتي الذي لا ينقطع ، والذات الروحانية التي لا تتبدل ولا يغيرها الزمان ، ولا تعدم بتبدل الزمان ، ولا يفقد أنسها بفقد الإخوان ، ولا يفقد هنالك مطالعة جلال الرحمن ، فافهم . وقد يكون أراد بذلك التنبيه على تبدل الأعراض لكونها تنعدم بالذات ، ليتنبه الغافل عن حدوثها ، وعلى حدوث الجواهر ؛ لكونها لا تعرى ، ولا تنفك عن الأعراض ، فيستدل المسترشد بذلك على حدوث العالم ، وكونه في هذه القضية المتضادة والمتغيرة من علوه إلى سفله ، وإن هذا التبدّل يلزم العالم المطلق ، وإن إيجاده وخلق أمثاله وأضداده وأغياره ، وما أشبه ذلك لا يكون من ذاته ، فيستدل بذلك على الفاعل المختار الذي أبرزه وهو معه